نعم، لما نشأت صنعة الكلام وكثر الخوض فيه وطالت المدة، تشوف المتكلمون إلى مجاوزة الذبّ عن السنّة بالبحث عن حقائق الأمور، وخاضوا في البحث عن الجواهر والأعراض وأحكامها؛ ولكن لما لم يكن ذلك مقصود علمهم، لم يبلغ كلامهم فيه الغاية القصوى، فلم يحصل منه ما يمحو بالكلية ظلمات الحيرة في اختلافات الخلق، ولا أستبعد أن يكون قد حصل ذلك لغيري! بل لست أشك في حصول ذلك لطائفة. ولكن حصولاً مشوباً بالتقليد في بعض الأمور التي ليست من الأوليات. والغرض الآن حكاية حالي، لا الإنكار على من استشفى به، فإن أدوية الشفاء تختلف باختلاف الداء، وكم من دواء ينتفع به مريض ويستضرُّ به آخر" (4). إذاً لم يجد الغزالي بغيته في علم الكلام. ولهذا سيبحث في علوم الباطنية عن الدواء، الذين يحيلون معرفة الحقائق إلى الإمام المعصوم، ولكن بما أن الإمام المعصوم قد تلقى علمه من علم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وهو غائب، ولا يوجد ما يشير إلى كتاب أو دليل يعصم الأئمة من بعده، بينما القرآن حاضر بين أيدينا، وقد قال الله تعالى عنه ﴿ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ﴾ (المائدة /3),. "وبعد كمال التعليم لا يضر موت المعلم كما لا تضر غيبته. فبقي قولهم: كيف تحكمون فيما لم تسمعوه؟ أبالنص ولم تسمعوه، أم بالاجتهاد والرأي وهو مظنة الخلاف؟. فنقول: نفعل ما فعله معاذ إذ بعثه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى اليمن، إذ كان يحكم بالنص عند وجود النص وبالاجتهاد عند عدمه" (5). وهذا هو تعليم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ الذي وافقه عليه حين قال له، إن لم أجد نصاً في القرآن اجتهد برأيي. ولم يشهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ بالعصمة ولا لغيره. وقد قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن أحكامه، وهو المعصوم [أنا أحكم بالظاهر والله يتولى السرائر. أي: أنا أحكم بغالب الظن الحاصل من قول الشهود وربما أخطئ فيه.
شرائع النفس والعقل والروح · الصفحة ٢٤٨
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
شرائع النفس والعقل والروحص ٢٤٨
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي