تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فأين هي الحقيقة، وبأي وسيلة سنتوصل إلى اليقين إذا كان هذا هو حال العقل مع الحواس. أسئلة ستأخذ من الغزالي وقتاً، وستمنعه من القدرة على الكلام، ومن إلقاء الدروس التي كان يلقيها حتى الأمس بسهولة على تلاميذه، ليس لأنه لا يستطيع، ولكن لأنه إذا كان لا يعرف الحقيقة فكيف سيعلّمها للآخرين. أيكذب عليهم وهو يردد العلوم التي حفظها والتي لم يعد يطمئن إليها، أم يصمت حتى يجد الجواب الشافي على أسئلته؟. لقد "أعضل هذا الداء" داء الحيرة كما قال الغزالي "ودام قريباً من شهرين أنا فيهما على مذهب السفسطة بحكم الحال، لا بحكم النطق والمقال" (2). فقد كان يبحث عن العلم اليقيني الذي كما يصفه "فظهر لي أن العلم اليقيني هو الذي يكشف فيه المعلوم انكشافاً لا يبقى معه ريب، ولا يقارنه إمكان الغلط والوهم، ولا يتسع القلب لتقدير ذلك، بل الأمان من الخطأ ينبغي أن يكون مقارناً لليقين مقارنة لو تحدى بإظهار بطلانه مثلاً من يقلب الحجر ذهباً والعصا ثعباناً لم يورث ذلك شكاً وإنكاراً، فإني إذا علمت أن العشرة أكثر من الثلاثة، فلو قال لي قائل: لا، بل الثلاثة أكثر بدليل أني أقلب هذه العصا ثعباناً، وقلبها، وشاهدت ذلك منه، لم أشك بسببه في معرفتي، ولم يحصل لي منه إلا التعجب من كيفية قدرته عليه؛ فأما الشك فيما علمته فلا" (3). إن الغزالي سينظر إلى أنواع العلوم في زمنه وسيقسمها إلى أقسام بالقياس إلى وظيفتها وفائدتها وصحتها في توضيح الحقائق. وسيجد أمامه علم "المتكلمين، والباطنية، والفلاسفة، والصوفية"، وإذا كان العلماء قد توزعوا بين هذه الفرق فإن الحق لا يعدو أن يكون عند إحداها. وسوف يبدأ الغزالي بدراسة علم الكلام وسوف يراه كما قال "صادفته علماً وافياً بمقصوده، غير وافٍ بمقصودي؛ وإنما مقصوده حفظ عقيدة أهل السنة وحراستها عن تشويش أهل البدعة... فلم يكن الكلام في حقي كافياً، ولا لدائي الذي كنت أشكوه شافياً.

شرائع النفس والعقل والروح · الصفحة ٢٤٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرائع النفس والعقل والروحص ٢٤٧