تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن تجربة الإمام الغزالي المعرفية هي من أهم التجارب الموثقة التي يمكن أن تكون نموذجاً لكل باحث عن الحقيقة الإنسانية بكل أبعادها الوجودية. فالغزالي يضعنا أمام المشكلة الإنسانية كهدف ومصير، من خلال معاناته ورحلاته المعرفية، ويرسم لنا الطريق لاستخلاص الجواب بأنفسنا. فالمعرفة معاناة، وتجربة، ونتائج علينا أن نعيشها لكي نعرف. إذا كنا لا نصدق الآخر، أو إذا كنا نريد أن نعرف ما عرفه الآخر فعلينا أن نقبل التجربة. الإمام الغزالي كان مثل الفاتحين العظام في مجال المعرفة. ارتاد كل الحقول المعرفية في زمنه، وقرأ كل الأديان والفلسفات، وظهر كشمس في سماء الشرق، عندما كانت بغداد عاصمة الدنيا، ومركز العلوم. ولكن مشكلة الغزالي ستأخذ أبعادها في صدقه مع نفسه، إذ ليس المهم بالنسبة إليه أن يكون شمساً لغيره، وإنما أن يكون أيضاً شمساً لنفسه. فهو بالنسبة لنفسه لا يعرف، ومعرفته لا تفي بغرضه، وإن كانت تفي بأغراض الآخرين. وسوف تكون أسئلة الغزالي الملحة بمثابة الصدمة له، بعد أن عرف أساليب كل الفلسفات ومنطقها وبراهينها ونقاط ضعفها. وكان يستطيع كأستاذ بارع أن يأتي بالبراهين العقلية لدعم أي فكرة، وأن يأتي بما ينقضها على طريقة السفسطائيين. ومثل هذا الشعور سيواجه أي مفكر عايش ثقافات عصره واستوعبها. ولذلك فعليه أن يختار إما الكفاح من أجل بناء جمهورية للنمل صالحة، تكون مهمتها إطعام مواطنيها وتامين حياتهم، بتحديد دور مناسب لكل مواطن. أو التوغل عميقاً في مغزى الوجود الإنساني، والتخلي عن جمهوريات النمل لمن يحسنون الانصياع لسلطة الاقتصاد والثروة. سوف يسقط الإنسان الصادق في نظر نفسه عندما يدرك أبعاد لعبة الأفكار، وإن كان صادقاً ومجتهداً ومجدّاً في البداية، لأن الأسئلة الكبرى عن المصير الإنساني ستصدّع كل السدود التي بنتها الأجيال حول نفسها لقبول السلام مع الحياة والتعايش معها كما هي في حلوها ومرها.

شرائع النفس والعقل والروح · الصفحة ٢٤٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرائع النفس والعقل والروحص ٢٤٥