فهي مسؤولية، وقد حملها لأنها كانت "بحاجة إليه" كما قال له أبو بكر. أما الآن وقد تأسست دولة الإسلام واستقرت فلا حاجة لآل الخطاب بها. فقد "أخذها عمر فاستحالت بيده غرباً ـ أي عظيمة ـ فلم أر عبقرياً من الناس يَفري فريه حتى ضرب الناس بَعَطنٍ" (كنز العمال ـ 32691/ ج11). سيرويهم عدل عمر وحكمته ويتسع لهم جميعاً كما تنبأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . وسيضيء نور النبوة قلب كل من استضاء به، وبذلك سيخرج من ضيق الجاهلية وعصبيتها إلى الرحمة بالإنسانية. وهذه هي حكمة الارتقاء بالشريعة التي كانت حياة عمر رضي الله عنه مثالاً حيّاً على التقدم فيها من الشهود بالبصر إلى الشهود بالبصيرة.
لقد حقق عمر رضي الله عنه ما أراد وتمنى بأمرين، أولهما: الصدق والإخلاص بكل ما آمن به، وهذا حاله في الجاهلية والإسلام. وثانيهما: السعي إلى العلم بتطبيق شريعة ﴿ اقرأ ﴾ التي افتتح بها الله باب الرسالة الكاملة، التي ستكون فيها المعرفة باب الوصول إلى نور النبوة، ومعرفة الله. وبهذا النور الذي أضاء في قلبه رجح على الأمة، ورجحت به الأمة، وكانت أعماله هدية للعالم لا لنفسه، فاحتمى بنور عدله خصومه كما احتمى أقرب الناس إليه. ولكن حين أوكل الإسلام إلى من يجهله ضاع المسلمون وضاع الإسلام، ولم يعد عدل الجاهلين يتسع لا للبعيد ولا للقريب، وضاق به حتى أقرب الناس للحاكم.
التجربة الروحية للغزالي