وكان في كل خطوة من خطواته يريد أن يفتح قلوب العباد لهذا الدين الذي ملأت أنواره قلبه بحب الإنسانية، وحب هدايتها، فجعلته يترفع عن صغائر الأمور، وعن نشر الكراهية أو الرغبة في تحطيم الرموز التي تسعى لنشر المعتقدات المخالفة لعقيدته، وكان بهذه الأخلاق يرسم الطريق للأمة، ويكشف لهم كلما أقبلت الدنيا عليه عن معدن الرسالة وكنوزها وأنوارها التي جعلها الله رحمة للعالم، لا مكان فيها لتشفي المنتصرين وإذلال المهزومين. فلتدق نواقيس الكنائس في كل مكان وصل إليه الإسلام ما شاءت، ولينادي المنادون رب النور والظلام، ففي الأرض متسع لإقامة معبد لكل عابد، وهيكل لدعوة كل حزب. وفي هذا التحرير والحرية رجح ميزان عمر واتسع عدله لكل المعتقدات والأديان، ورجح ميزانه على الأمة. قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - [أتيت بكفة ميزان فوضعت فيها وجيء بأمتي فوضعت في الكفة الأخرى فرجحت بأمتي ثم رفعت. فجيء بأبي بكر فوضع في كفة الميزان فرجح بأمتي، ثم رفع أبو بكر، وجيء بعمر بن الخطاب فوضع في كفة الميزان فرجح بأمتي، ثم رفع الميزان إلى السماء وأنا أنظر] (كنز العمال ـ 32688/ ج11). لقد استضاء عمر بنور النبوة حتى وصل بها إلى شهود الواجبات التي يفرضها عليه موقعه ومسؤوليته عما ولاه الله، فجاع لتشبع الرعية، وسافر ليحقن الدماء. وفي الموقف الثاني سيعبر عن فهمه للخلافة كمنصب لخدمة الأمة، برفضه تولية ابنه عبد الله وتركها شورى بين المسلمين كما اقترح عليه المغيرة بن شعبة قائلاً: "لا أرب لنا في أموركم، وما حمدتها فأرغب فيها لأحد من بيتي، إن كان خيراً فقد أصبنا منه، وإن كان شراً فبحسب آل عمر أن يحاسب منهم رجل واحد" (العبقريات الإسلامية ـ 480)، وقال لابنه "لو ولّوها الأَجلح (أي المنحسر الشعر) لسلك بهم الطريق. فسأله ابنه: فما يمنعك يا أمير المؤمنين أن تقدم علياً؟. قال: أكره أن أحملها حياً وميتاً" (العبقريات الإسلامية ـ 480).
شرائع النفس والعقل والروح · الصفحة ٢٤٣
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
شرائع النفس والعقل والروحص ٢٤٣
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي