الفتوحات العمرية والحروب كانت تجسيداً للرسالة، كما كانت دفاعاً عن النفس، في غابة الإمبراطوريات القائمة التي كانت تحلل كل ما يلائم مصالحها دون أي رادع خلقي. وهذا الإخلاص لمعنى الرسالة هو الذي دفع الخليفة لإرسال الجيوش، ومواجهة الإمبراطوريات، وهو الذي سيمدّ بصيرته بالأنوار الحارسة لجيوش المسلمين؛ فقد كان حريصاً على حقن الدماء بقدر حرصه على تحرير الناس من عبادة الأباطرة والقياصرة. وسيتجلى حبه للإنسانية وحرصه عليها في موقفين. الموقف الأول يوم سيرفض راعي القدس فتح المدينة أمام جيوش المسلمين إلا بحضور الخليفة لكي يعقد معه الصلح. وكانت هذه الجيوش المحيطة بالقدس بقيادة أبي عبيدة الجراح قادرة على اجتياح المدينة خلال ساعات بعد هزيمة الجيوش الرومانية، ولكن الخليفة رضي أن يتجشم عناء الرحلة ومشقاتها بين المدينة والقدس على جمل كان يتبادل الركوب عليه مع خادمه، حقناً لدماء مسيحية، وترفعاً عن كسب غنائم كانت تبيحها شريعة الحرب في البلاد المفتوحة بالقوة، ولا تبيحها شريعة الصلح. فقد اتسع قلبه لرحمة العباد بعد أن كانت الجاهلية قد أباحت دم الأعداء وأموالهم وأعراضهم، كما هو حال كل جاهلية. فقد تعلم عمر من الإسلام، ومن مراقبته للرسول - صلى الله عليه وسلم - ، ومن صلح الحديبية، بأن حقن الدماء هو القاعدة العامة التي يجب السعي إليها، وإن الحرب هي حالة استثنائية يجب أن يكون هدفها أيضاً إقامة السلام والوصول إليه، لكي تتاح الحرية للدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة. وهكذا رسم الإسلام سياسة التعايش مع كل الأديان، وجعل الفضيلة مقياساً للسباق بينها، بدلاً من سياسة العدوان والاستيلاء، ولهذا عندما حان وقت الصلاة، وعمر في ضيافة بطرك الكنيسة الذي عقد معه الصلح، قام ليصلي خارج الكنيسة، والراهب يدعوه للصلاة فيها.
شرائع النفس والعقل والروح · الصفحة ٢٤١
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
شرائع النفس والعقل والروحص ٢٤١
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي