بمثل هذه الوحشية سيتغذى العهر دائماً من دم الأنبياء والأبرياء والضعفاء، فهؤلاء لا يخافون الله، ولكنهم يخافون القوة التي تتصدى لهم وتقاتلهم. لقد كانت هيروديا قد هددت النبي يحيى بالقتل لأنه حرَّم زواجها من هيرودس لأنها كانت زوجةً لأخيه، لكن هيرودس تزوجها، وهاهما يثبتان أن مصالح الانحطاط الإنساني أغلى من دم الصديقين. وهكذا فغايات الانحطاط تسير على وقع أدواته. وسوف يصلب المسيح بعد ذلك حسب روايات الأناجيل، وكما شبه لهم، بين لصّين "وكانت الساعة الثالثة لما صلبوه. وكانت علة الحكم عليه مكتوبة هكذا "ملك اليهود". وصلبوا معه لصّين، الواحد على يمينه، والآخر على يساره" (إنجيل القديس مرقس ـ 15/25 ـ 27). هذا هو تضليل الانحطاط وسياساته. لقد أرادوا أن يخلطوا القضايا، وأن يربطوا بين قتل الأنبياء واللصوص في أذهان الناس، وأن يزيفوا المعنى في قرارات محاكمهم، بالجمع بين المشروع وغير المشروع، والنزول بالمقدس إلى مستوى اللصوصية. ولهذا لابد من مقاومة الشر دائماً، ولابد من الجهاد، لتحرير الإنسان وإطلاق حريته، وإتاحة الفرصة أمامه لكي يختار مصيره. وكما أن دول الأشرار وعصاباتهم تعتمد على القوة لتسلب الناس حرياتهم، فإنه لابد لدول الأخيار من القوة لحماية حرية الناس وتطبيق شريعة العدل بينهم. وهذا ما يضعنا أمام مسألة الجهاد التي ستظل جزءاً من طبيعة الرسالة النبوية التي لا يمكن أن تنفصل عنها، وإن اتخذ هذا الجهاد أشكالاً متنوعة، تبدأ من الجهاد مع النفس ومن أجلها، وصولاً إلى الجهاد من أجل الإنسانية كلها، انطلاقاً من الإيمان بالأخوة الإنسانية، التي يجب أن تتجسد في إلغاء العبودية، السياسية، والاقتصادية، وفي تحويل كل الأسلحة إلى أدوات للإنتاج من أجل الإنسانية.
شرائع النفس والعقل والروح · الصفحة ٢٤٠
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
شرائع النفس والعقل والروحص ٢٤٠
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي