تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الرسول - صلى الله عليه وسلم - حيث توفي ليحلّ مشكلة اختلف المسلمون عليها. وهو الذي سيجمع الأمة خوفاً عليها من الفرقة، ليس طمعاً في خلافة أو منصب، ولكن لتمكن الإسلام وحماية المسلمين الذين لم يجتمعوا إلا عليه حين عادوا إلى رشدهم، بعد أن تنازعوا، وكادت العصبية القبلية أن تمزقهم. وهو الذي سيرسل جيش أسامة إلى مؤتة تنفيذاً لأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين اختلف المسلمون، واقترح بعضهم تأخيره أو توجيهه لمهمة جديدة، أو تغيير قائده، بسبب حرج موقف المسلمين، وظهور المرتدين، ووصول الأخبار عن استعدادات رومانية وفارسية للهجوم على المسلمين. فماذا سيقول أبو بكر لمستشاريه من الصحابة المشهود لهم بالمكانة والحكمة، والذين تؤيد رأيهم حسابات التوازن العسكري، والحاجة لتجميع القوى في المدينة بدلاً من بعثرتها لمواجهة الخطر الداهم. والأقرب كان خطر المرتدين العرب، لا خطر الروم. والحكمة العقلية تقتضي في مثل هذه الظروف مواجهة الخطر الداهم، والابتعاد عن إيقاظ الخطر النائم الذي يمثله الروم. وكانت هناك مشكلة تضاف إلى هذه المشاكل، وهي اعتراض بعض المسلمين على تكليف أسامة بن زيد لقيادة هذا الجيش. وهناك مشكلة حول شرعية قتال أهل الردة، فقد رأى بعض المسلمين أن قتالهم لا يجوز ما داموا يقرون بالإسلام وينطقون بالشهادة، وإن رفضوا دفع الزكاة. وكانوا يستندون على أحاديث رويت عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - في مناسبات لا تنطبق على أحوال المرتدين، ولا تصلح للحكم عليهم. فكان لابد من الاجتهاد، والخروج من حرفية النصوص إلى معناها. وكل ذلك سيفعله أبو بكر بمفرده، لأن آراء الصحابة واجتهاداتهم اختلفت عن رأيه، ولم يتفق رأي أي منهم أو اجتهاده مع ما ذهب إليه. لهذا قال لهم، بعد أن استشارهم، وأصدر أوامره من مواقع الروح ونور البصيرة.

شرائع النفس والعقل والروح · الصفحة ٢٣٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرائع النفس والعقل والروحص ٢٣٢