قالت : إذا لا يضيعنا ربنا .
فلما اختفى وراء الجبل التفت ، ودعا اله عز وجل ، ورفع يديه ، وقال : ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إليهم وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم: 37] ثم تولى عنهم وتركهم .
فنفد الماء ، ونفد الطعام من التمر ، عن هاجر وابنها ، فذهبت لترى في جبال مكة أين تجد الماء .
قال ابن عباس : لكأني بها تسعى بين الجبلين ، يعني : بين الصفا والمروة سبعة أشواط.
فطافت سبعة أشواط فهو طوافنا اليوم ، فعادت إلى مكانها ، وأخذ ابنها يضرب الأرض برجله من شدة العطش.
فنزل ملك من السماء – قيل : جبريل ، وقيل : غيره – ففحص بجناحه فخرج الماء ، فأخذت هي تعدل الماء وتقيم التراب حول الماء وتقول : زم زم .
وهذا من عادة قبائلهم أنهم إذا اشتغلوا يتسلون بالكلام .
قال صلى الله عليه وسلم : (( رحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم لصارت عينا معينا )) (1)
ثم نزل هناك ركب من جرهم ،وجرهم قبيلة انتقلت إلى مكة ، وهي من القبائل العربية التي سوف يتزوج منهم إسماعيل .
نزلوا في طرف مكة ، فرأوا غرابا عائفا فوق ماء زمزم.
فقال هؤلاء الركب : إن هذا الطائر معه الماء .
فاقتربوا ، فلما رأوا هاجر ، قالوا : ننزل حول الماء .
قالت : لا .
فاصطلحوا معها أن ينزلوا على حسن الجوار .
فنزلوا ، فأعطوها الطعام ، وأعطتهم الماء .
فلما شب إسماعيل ، عليه السلام ، تزوج منهم .
وكان شابا ظريفا عاقلا ، قد آتاه الله الحكم صبيا ، فأصبح أرحامه قبيلة جرهم .
(1) 17) أخرجه البخاري (2368 ، 3364) عن ابن عباس ، رضي الله عنهما .