وحينئذ نقول إن مدرك رد الشهادة إنما هو الظهور القوي لأنه المجمع عليه، والأصل بقاء العدالة السابقة.
(المسألة الرابعة) قال الباجي قال القاضي أبو إسحاق والشافعي لا بد في توبة القاذف من تكذيبه لنفسه لأنا قضينا بكذبه في الظاهر لما فسقناه فلو لم يكذب نفسه لكان مصرا على الكذب الذي فسقناه لأجله في الظاهر، وعليه إشكالان: (أحدهما) أنه قد يكون صادقا في قذفه فتكذيبه لنفسه كذب فكيف تشترط المعصية في التوبة التي هي ضدها، ونجعل المعاصي سبب صلاح العبد وقبول شهادته ورفعته.
(ثانيهما) أنه إن كان كاذبا في قذفه فهو فاسق أو صادقا فهو عاص لأن تعيير الزاني بزناه معصية فكيف ينفعه تكذيب نفسه مع كونه عاصيا بكل حال، والجواب عن الأول أن الكذب لأجل الحاجة جائز كالرجل مع امرأته، وللإصلاح بين الناس، وهذا التكذيب فيه مصلحة الستر على المقذوف، وتقليل الأذية والفضيحة عند الناس، وقبول شهادته في نفسه، وعوده إلى الولاية التي يشترط فيها العدالة، وتصرفه في أموال أولاده وتزويجه لمن يلي عليه، وتعرضه للولايات الشرعية
(وعن الثاني) أن تعيير الزاني بزناه صغيرة لا تمنع الشهادة، وقال مالك لا يشترط في قبول توبته ولا قبول شهادته تكذيبه لنفسه بل صلاح حاله بالاستغفار والعمل الصالح كسائر الذنوب.
(الفرق الثلاثون والمائتان بين قاعدة التهمة التي ترد بها الشهادة بعد ثبوت العدالة وبين قاعدة ما لا ترد به)
اعلم أن الأمة مجمعة على رد الشهادة بالتهمة من حيث الجملة لكن وقع الخلاف في بعض الرتب، وتحرير ذلك أن التهمة ثلاثة أقسام مجمع على اعتبارها لقوتها، ومجمع على إلغائها لخفتها، ومختلف فيها هل تلحق بالرتبة العليا فتمنع أو بالرتبة الدنيا فلا تمنع فأعلاها شهادة الإنسان لنفسه مجمع على ردها، وأدناها شهادة الإنسان لرجل من قبيلته أجمع على اعتبارها، وبطلان هذه التهمة، ومثال المتوسط بين هاتين الرتبتين شهادته لأخيه أو لصديقه الملاطف، ونحو ذلك فوافقنا أبو حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل في عمودي النسب الآباء والأبناء لا يشهد لهم، وخالفونا في الأخ والصديق الملاطف، ووافقنا ابن حنبل في الزوجين فلا تقبل الشهادة لهما، وخالفنا الشافعي فقبل، ووافقنا الشافعي وابن حنبل في اعتبار العداوة إلا أن تكون في الدين، وقال أبو حنيفة