لا يلزمك، ولو كان افتراق الغرماء عن وعد وإشهاد لأجله لزمك لإبطالك مغرما بالتأخير قال سحنون الذي يلزم من الوعد قوله اهدم دارك، وأنا أسلفك ما تبني به أو اخرج إلى الحج، وأنا أسلفك أو اشتر سلعة أو تزوج امرأة، وأنا أسلفك لأنك أدخلته بوعدك في ذلك أما مجرد الوعد فلا يلزم الوفاء به بل الوفاء من مكارم الأخلاق.
وقال أصبغ يقضى عليك به تزوج الموعود أم لا، وكذا أسلفني لأشتري سلعة كذا لزمك تسبب في ذلك أم لا، والذي لا يلزم من ذلك أن تعده من غير ذكر سبب فيقول لك أسلفني كذا فتقول نعم بذلك قضى عمر بن عبد العزيز - رحمه الله -، وإن وعدت غريمك بتأخر الدين لزمك لأنه إسقاط لازم للحق سواء قلت له أؤخرك أو أخرتك، وإذا أسلفته فعليك تأخيره مدة تصلح لذلك، وحينئذ نقول وجه الجمع بين الأدلة المتقدمة التي يقتضي بعضها الوفاء به، وبعضها عدم الوفاء به أنه إن أدخله في سبب يلزم بوعده لزم كما قال مالك وابن القاسم وسحنون أو وعده مقرونا بذكر السبب كما قاله أصبغ لتأكد العزم على الدفع حينئذ ويحمل عدم اللزوم على خلاف ذلك مع أنه قد قيل في الآية إنها نزلت في قوم كانوا يقولون جاهدنا، وما جاهدوا، وفعلنا أنواعا من الخيرات، وما فعلوها، ولا شك أن هذا محرم لأنه كذب، ولأنه تسميع بطاعة الله تعالى، وكلاهما محرم ومعصية اتفاقا.
وأما ما ذكر من الإخلاف في صفة المنافق فمعناه أنه سجية له، ومقتضى حاله الإخلاف، ومثل هذه السجية يحسن الذم بها كما يقال سجيته تقتضي البخل والمنع فمن كانت صفاته تحث على الخير مدح أو تحث على الشر ذم شرعا وعرفا، واعلم أنه لا بد في هذا الفرق من مخالفة بعض الظواهر إن جعلنا الوعد يدخله الكذب بطل «لقوله - عليه السلام - للسائل لما قال له أأكذب لامرأتي قال لا خير في الكذب» ، وأباح له الوعد، وهو ظاهر في أنه ليس بكذب، ولا يدخله الكذب، ولأن الكذب حرام إجماعا فيلزم معصيته فيجب الوفاء به نفيا للمعصية، وليس كذلك.
وإن قلنا إن الكذب لا يدخله، ورد علينا ظواهر وعد الله ووعيده فلا بد من الجمع بينهما، وما ذكرته أقرب الطرق في ذلك.