أجناسا ألغيت خاصة فما الفرق، وكيف الاعتماد في ذلك
(قلت) الفرق في ذلك المقام لا يتيسر على المبتدئين، ولا على ضعفة الفقهاء، وكذلك ينبغي أن يعلم أن الأصل اعتبار الغالب، وهذه الأجناس التي ذكرت استثناؤها على خلاف الأصل، وإذا وقع لك غالب، ولا تدري هل هو من قبيل ما ألغي أو من قبيل ما اعتبر فالطريق في ذلك أن تستقري موارد النصوص، والفتاوى استقراء حسنا مع أنك تكون حينئذ واسع الحفظ جيد الفهم فإذا لم يتحقق لك إلغاؤه فاعتقد أنه معتبر، وهذا الفرق لا يحصل إلا لمتسع في الفقهيات والموارد الشرعية، وإنما أوردت هذه الأجناس حتى تعتقد أن الغالب وقع معتبرا شرعا، ونجزم أيضا بشيئين
(أحدهما) أن قول القائل إذا دار الشيء بين النادر والغالب فإنه يلحق بالغالب
(ثانيهما) قول الفقهاء إذا اجتمع الأصل، والغالب فهل يغلب الأصل على الغالب أو الغالب على الأصل قولان فقد ظهر لك أجناس كثيرة اتفق الناس فيها على تقديم الأقل، وألغاه الغالب في القسم الأول الذي اعتبرنا رده فلا تكون تلك الدعوى على عمومها، وقد أجمع الناس أيضا على تقديم الغالب على الأول في أمر البينة فإن الغالب صدقها، والأصل براءة الذمة، ومع ذلك تقدم البينة إجماعا فهو أيضا تخصيص لعموم تلك الدعوى فهذا هو المقصود من بيان هذا الفرق والتنبيه على هذه المواطن.
(الفرق الأربعون والمائتان بين قاعدة ما يصح الإقراع فيه وبين قاعدة ما لا يصح الإقراع فيه)
اعلم أنه متى تعينت المصلحة أو الحق في جهة لا يجوز الإقراع بينه وبين غيره لأن في القرعة ضياع ذلك الحق المتعين أو المصلحة المتعينة، ومتى تساوت الحقوق أو المصالح فهذا هو موضع القرعة عند التنازع دفعا للضغائن والأحقاد، والرضا بما جرت به الأقدار، وقضى به الملك الجبار فهي مشروعة بين الخلفاء إذا استوت فيهم الأهلية للولاية، والأئمة والمؤذنين إذا استووا، والتقدم للصف الأول عند الازدحام وتغسيل الأموات عند تزاحم الأولياء، وتساويهم في الطبقات وبين الحاضنات والزوجات في السفر والقسمة والخصوم عند الحكام، وفي عتق العبيد إذا أوصى بعتقهم أو بثلثهم في المرض ثم مات، ولم يحملهم الثلث عتق مبلغ الثلث منهم