تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهنا أربع تنبيهات الأول أن قوله علي يشعر بالالتزام وخبر الله تعالى كيف يصح التزامه وقد تقدم أنه لو قال علي علم الله تعالى وإرادته أو نحو ذلك بعد في الفقه أن يجب عليه بهذا كفارة ووجب أيضا أن يفهم لهذا الكلام معنى صحيح فإن التزام القديم الذي هو واجب الوجود كيف يصح وإنما يلتزم الإنسان فعلا من كسبه وقدرته فإن قلت الالتزام إنما جاء من جهة أن الحانث في هذه الأمور تجب عليه الكفارة والكفارة مقدورة يمكن التزامها ولذلك قال مالك في المدونة إذا قال على عشر كفارات أو مواثيق أو نذور لزمه عدد ما ذكر كفارات وهذا التزام صحيح.

قلت كفارة اليمين غير يمين ولا حنث لا تلزم المكلف لأن لزوم المسبب بدون سببه غير واقع شرعا وحينئذ لا تكون هذه الكفارات لازمة له من حيث هي كفارات بل من حيث هي نذور وكأنه نذر والتزم بطريق النذر عشر كفارات فهذا صحيح غير أن هذا ليس من باب الحلف والأيمان في شيء ولا يكون اللفظ يعطي ذلك حقيقة بل مجازا فإن استعمال لفظ الكفالة فيما يلزم عنها إذا حلف بها وحنث مجاز والمجاز لا بد فيه من أحد أمرين إما نية المتكلم أو عرف اقتضى نقلا لهذا المجاز فأغنى عن النية فإن كان الواقع هو القسم الأول فينبغي أن لا يلزم شيء بهذه الصيغ وبهذا اللفظ وما تقدم البحث فيه قبل هذا إلا بالنية ولا يتحرر الذي يلزم المتكلم بها في الكفارة بل يحسب ما ينويه من كفارة أو كفارات أو بعض كفارة أو شيء آخر من باب المعروف المندوب إليه شرعا مما يمكن استعمال الكفالة فيه مجازا فالقول بأن اللازم الكفارة وتعيين ذلك اللزوم لا يصح إلا في بعض الصور وإن كان الواقع القسم الثاني وهو النقل العرفي فيلزم أن لا يلزم به في زماننا شيء فإنا لا نجد هذا النقل فيه فإن النقل إنما يحصل بغلبة الاستعمال عليه حتى يصير اللفظ يفهم منه المنقول إليه بغير قرينة.

ونحن لا نجد ذلك في زماننا ويلزم أيضا إذا وجد هذا العرف وهذا النقل أن يراقب فيه اختلاف الأزمنة واختلاف الأقاليم والبلدان فكل زمان تغير فيه هذا العرف بطل فيه هذا الحكم وكل بلد لا يكون فيه هذا العرف لا يلزم فيه هذا الحكم فتأمل هذا فهو أمر لازم في قواعد الفقه أما الفتيا بلزوم الكفارة على الإطلاق فغير متجه أصلا ولعل مالكا - رحمه الله - أفتى بذلك لمن سأل أنه كان نواه أو كان عرف زمانه يتقاضى ذلك وهو الأقرب فإن الفتيا.

لو كانت مبنية على نية لذكرت مع

الفروق = أنوار البروق في أنواء الفروق · الجزء ٣ · الصفحة ٣٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الفروق = أنوار البروق في أنواء الفروقج ٣ · ص ٣٥