تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

حجتنا على الفرق كلها أنه - صلى الله عليه وسلم - جعل التحريم أصلا في الحديث إلا ما استثناه من المماثلة.

وليس المراد المماثلة في الجنس لاختلاف صفاته فتعين المقدار وهذه الأربعة هي أقواتهم بالحجاز فالبر للرفاهية فلو اقتصر عليه لقيل المراد قوت الرفاهية فذكر الشعير لينبه به على قوت الشدة، وذكر التمر لينبه به على المقتات من الحلاوات كالزيت والعسل والسكر، وذكر الملح لينبه به على مصلح الأقوات واشتركت كلها في الاقتيات والادخار والطعم وهي صفات شرف يناسب أن لا يبدل الكثير من موصوفها بالقليل منه صونا للشريف عن الغبن فيذهب الزائد هدرا؛ ولأن الشرف يقتضي كثرة الشروط وتمييزه عن الخسيس كتمييز النكاح عن ملك اليمين بالشروط كالولي والشهود والصداق والإعلان، وكذلك الملوك لا تكثر الحراس إلا على الخزائن النفيسة فكلما عظم شرف الشيء عظم خطره عقلا وشرعا وعادة وجاز التفاضل في الجنسين وإهدار الزائد لمكان الحاجة في تحصيل المفقود وامتنع النساء إظهارا لشرف الطعام، فيكون للطعام مزية على غيره وللمقتات منه شرف على غير المقتات لعظم مصلحته في نوع الإنسان وغيره من الحيوان وهو سبب بقاء الأبنية الشريفة لطاعة الله مع طول الأزمان فناسب جميع ذلك الصون عن الضياع بأن لا يبدل كثيرها تقليلها فيضيع الزائد أيضا من غير عوض.

وهذا أيضا سبب تحريم الربا في النقدين؛ لأنهما رءوس الأموال وقيم المتلفات، وقيم المتلفات شرفا بذلك عن بذل الكثير في القليل فيضيع الزائد فشدد فيهما فشرط التساوي والحضور والتناجز في القبض، وتعليل أبي حنيفة بالكيل طردي فيقدم عليه المناسب وتعليل الشافعي بالطعم داخل فيما ذكرناه فهو مهمل لبعض المناسب بخلافنا، بل أهمل أفضل الأوصاف وهو الاقتيات ولم يعتبره إلا مالكا - رضي الله عنه - وهذه القاعدة تعرف بتخريج المناط وهي أن الحكم إذا ورد مقرونا بأوصاف فإن كانت كلها مناسبة كان الجميع علة أو بعضها كان علة واحدة فأسعد الناس أرجحهم تخريجا، وعلة مالك أرجح لسبعة أوجه، أحدها أنها صفة ثابتة والكيل عارض وأنها صفة مختصة والكيل وغيره غير مختص وأنها المقصودة عادة من هذه الأعيان وغيرها ليس كذلك وأنها جامعة للأوصاف المناسبة كلها وأنها سابقة على الحكم، والكيل لاحق مخلص من الربا كالقبض؛ لأنه علته وأنها جامعة للقليل والكثير كما في النقدين،

الفروق = أنوار البروق في أنواء الفروق · الجزء ٣ · الصفحة ٢٦٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الفروق = أنوار البروق في أنواء الفروقج ٣ · ص ٢٦٢