تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مسلما ولا يسبوه ولا يستخدموه ولا يسمعوا مسلما شيئا من كفرهم ولا يسبوا أحدا من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ولا يظهروا خمرا ولا نكاح ذات محرم وأن يسكنوا المسلمين بينهم فمتى أخلوا بواحدة من هذه الشروط اختلف في نقض عهدهم وقتلهم وسبيهم وأخذ أموالهم.

واعلم أن الجادة من مذاهب العلماء كمالك والشافعي وأبي حنيفة وابن حنبل - رضي الله عنهم - لا يروا النقض بالإخلال بأحد هذه الشروط كيف كان بل بعضها يوجب النقض وبعضها لا يوجب وقد سبق إلى خاطر الفقيه أن المشروط شأنه الانتفاء عند انتفاء أحد الشروط ولو كان ألف شرط إذا عدم واحد منها لا يفيد حضور ما عداه كما يجده في شرائط الصلاة والزكاة وغيرهما إن عدم شرط واحد عدم جميع الشروط فلذلك يخطر لضعفه الفقهاء أن شروط الجزية ينبغي أن تكون كذلك وليس الأمر كذلك بل مذهب الجمهور هو الصواب وأن قاعدة ما يوجب النقض مخالفة لقاعدة ما لا يوجبه فإن عقد الذمة عاصم للدماء كالإسلام.

وقد ألزم الله تعالى المسلم جميع التكاليف في عقد إسلامه كما ألزم الذمي جملة هذه الشروط في عقد أمانة فكما انقسم رفض التكاليف في الإسلام إلى ما ينافي الإسلام ويبيح الدماء والأموال كرمي المصحف في القاذورات وانتهاك حرمة النبوات وإلى ما ليس منافيا للإسلام وهو ضربان كبائر توجب التغليظ بالعقوبة ورد الشهادات وسلب أهلية الولاية وصغائر توجب التأديب دون التغليظ.

فكذلك عقد الجزية تنقسم شروطه إلى ما ينافيه كالقتل والخروج عن أحكام السلطان فإن ذلك مناف للأمان والتأمين وهما مقصود العقد وإلى ما ليس بمناف للأمان والتأمين وهو عظيم المفسدة فهو كالكبيرة بالنسبة إلى الإسلام كالحرابة والسرقة وإلى ما هو كالصغيرة بالنسبة إلى الإسلام كسب المسلم وإظهار الترفع عليه فكما أن هذين القسمين لا ينافيان الإسلام ولا يبطلان عصمة الدماء والأموال فكذلك لا يبطلان عقد الجزية لعدم منافاتهما له من جهة الأمن والأمان المقصودين من عقد الجزية والقاعدة الشرعية المشهورة في أبواب العقود الشرعية أنها لا تبطل عقدا من العقود إلا بما ينافي مقصود ذلك العقد دون ما لا ينافي مقصوده وإن كان منهيا عن مقارنته معه فكذلك هنا ينبغي أن لا يبطل عقد الجزية إلا بما تقدم ونحوه وانقسمت هذه الشروط على هذه الطريقة التي هي طريقة الجمهور إلى ثلاثة أقسام منها ما اتفقوا على أنه موجب لمنافاة عقد الذمة كالخروج على السلطان ونبذ العهد والقتل والقتال بمفردهم أو مع الأعداء ونحو ذلك ومنها ما اتفقوا على أنه لا ينافيه كترك الزناد وركوب الخيل

الفروق = أنوار البروق في أنواء الفروق · الجزء ٣ · الصفحة ١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الفروق = أنوار البروق في أنواء الفروقج ٣ · ص ١٢