تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فرع التصديق بالآمر بها والجمع بين الفرع وأصله مناسب وأما الدعاء مع السجود والثناء مع الركوع فمبني على قاعدة وهي أن الله تعالى أمر عباده أن يتقربوا إليه على حسب ما جرت العادة به مع الأماثل والملوك والأكابر فإن الطاعات كلها والمعاصي كلها نسبتها إلى الله تعالى نسبة واحدة لا تزيده الطاعات ولا تنقصه المعاصي وإنما أمر عباده لتظهر منهم الطاعة على حسب ما جرت العادة به مع الأكابر، ولذلك لما كان السجود في العبادة أبلغ من الركوع قال - عليه السلام - «أقرب ما يكون العبد من ربه إذا كان ساجدا» وكان بذل الدينار أفضل من بذل الدرهم في الصدقة؛ لأنه في العادة أبلغ وارتكاب المشاق في تحصيل المأمور يكون موجبا لمزيد الأجر؛ لأنه في العادة يدل على المبالغة في الطواعية فقال - عليه السلام - «أفضل العبادة أحمزها» أي أشقها.

ولما جرت عادة الناس مع الملوك أن يقدموا الثناء عليهم قبل الطلب منهم تطييبا لقلوبهم واستعطافا لأنفسهم جعل الله سبحانه وتعالى الثناء والتمجيد له في الركوع وجعل الدعاء في السجود بعد الثناء ولهذا المعنى لما سئل سفيان بن عيينة عن قوله - عليه السلام - «أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة وأفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله» فقيل له هذا الثناء فأين الدعاء فأنشد أبيات أمية بن أبي الصلت الثقفي

أأطلب حاجتي أم قد كفاني ... حياؤك إن شيمتك الحياء

إذا أثنى عليك المرء يوما ... كفاه من تعرضك الثناء

كريم لا يغيره صباح ... عن الخلق الجميل ولا مساء

وعلمك بالحقوق وأنت قدما ... لك الحسب المهذب والوفاء

يعني فلما كان الثناء يحصل من الكريم ما يحصله الدعاء سمي الثناء على الله تعالى دعاء؛ لأنه سبحانه أكرم الأكرمين وقد جاء في الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حكاية عن الله تعالى أنه قال: «من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين» فهذا هو وجه المناسبة في الثناء في الركوع والدعاء في السجود، وأما المنع من الجمع بين القراءة والركوع فلأن القراءة جعل لها الشرع موطنا وهو القيام؛ لأنه حالة استقرار يتمكن فيه الفكر من التأمل لمعاني القراءة والاتعاظ بوعيدها ووعدها والتفكير في معانيها على اختلافها مع حسن الإقبال على الله تعالى بالمناجاة، وهذه الأحوال لا تناسب الركوع والسجود لضيق النفس وضجرها في حالة الانحناء وانحصار الأعضاء وحبس النفس فتناسب المنع من القراءة في هذين الموطنين ولأن القراءة لما عين لها موطن ناسب أن تعين بقية المواطن لغيرها من الثناء المحض والدعاء المحض فإن القراءة قد لا تكون ثناء ولا دعاء فتشتمل الصلاة على جميع أنواع القربات ولا تختص بنوع معين فتكون حينئذ أفضل الأعمال كما جاء في الحديث «أفضل أعمالكم الصلاة»

الفروق = أنوار البروق في أنواء الفروق · الجزء ٢ · الصفحة ٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الفروق = أنوار البروق في أنواء الفروقج ٢ · ص ٣