لها ولد فرحلت في بعض مقاصدها إلى المغرب فحضر يوم العيد وعادتها فيه في بلدها تخرج إلى المقابر فتبكي على ولدها، فلما لم تكن في بلدها خطر لها أن تخرج إلى مقابر تلك البلدة التي حلت بها فتفعل فيها ما كانت تفعله في بلدها فخرجت إليها، وفعلت ذلك وأكثرت البكاء والعويل والتفجيع على ولدها، ثم نامت فرأت أهل المقبرة قد هاجوا يسأل بعضهم بعضا هل لهذه المرأة عندنا ولد؟ فقالوا لا فقال السائل منهم للمسئول فكيف جاءت عندنا تؤذينا ببكائها وعويلها من غير أن يكون لها عندنا ولد، ثم ذهبوا إليها فضربوها ضربا وجيعا فاستيقظت فوجدت ألما عظيما من ذلك الضرب فدل ذلك على أن الأرواح تتألم من المؤلمات وتفرح باللذات في البرزخ كما كانت في الدنيا وهو ظاهر، وكذلك تعذب الكفار في قبورها كما قال - عليه الصلاة والسلام - «إن اليهود لتعذب في قبورها» فالأوضاع البشرية في الأرواح لم تتغير، وإنما كانت في مسكن فارقته وبقيت على حالها في أوضاعها، ولما كان البكاء والعويل في حالة الحياة تتأذى به الأرواح وتنقبض كانت بعد الموت تتأذى به كذلك كان عليها أو على غيرها، وهو عليها أشد نكاية؛ لأنها هي المصابة حينئذ، وقد ورد أن الموتى يعلمون أحوال الأحياء، وما نزل بهم من شدة ورخاء وفقر واستغناء وغير ذلك مما يتجدد لأهليهم، ويتألمون للمؤلمات ويسرون باللذات، وقد ورد أنهم يفتخرون بالزيارات، ويتألمون بانقطاعها.
وإذا كان الأمر كذلك كانوا يتألمون بالبكاء عليهم من أهليهم وغير أهليهم، والألم عذاب فلذلك قال - صلى الله عليه وسلم - «إن الميت ليعذب ببكاء الحي عليه» ، ويكون الفرق بين القاعدتين على هذا التقرير أن الإنسان لا يعذب بفعل غيره أي عذاب الآخرة الذي هو عذاب الذنوب والبكاء عذاب ليس عذاب الآخرة الذي هو عذاب الذنوب المتوعد به من قبل صاحب الشرع بل معناه الألم الجبلي