لتصرف القضاء مثن على الرب تعالى بإحسان وجميل العوارف، فهذا حسن جميل ومثله ما ورد في الأخبار أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما توفي سمع أهل بيته قائلا يقول يسمعون صوته ولا يرون شخصه: سلام عليكم أهل البيت إن في الله خلفا من كل فائت وعوضا من كل ذاهب فإياه فارجوا وبه فثقوا فإن المصاب من حرم الثواب فكانوا يرونه الخضر - عليه السلام - فهذا أيضا كلام من القربات ومندرج في سلك المندوبات ومن الرثاء المحرم الفظيع ما وقع في عصرنا في رثاء الخليفة ببغداد في أيام الصالح رحم الله الجميع فعمل له الملك الصالح عزاء جمع فيه الأكابر والأعيان والقراء والشعراء فأنشد بعض الشعراء في مرثيته:
مات من كان بعض أجناده الموت ... ومن كان يختشيه القضاء
فسمعه الشيخ عز الدين بن عبد السلام - رحمه الله - وهو جالس في المحفل فأمر بتأديبه وحبسه.
وأغلظ الإنكار عليه وبالغ في تقبيح رثائه، وأقام بعد التعزير في الحبس زمانا طويلا ثم استتابه بعد شفاعة الأمراء والرؤساء فيه وأمره أن ينظم قصيدة يثني فيها على الله عز وجل تكون مكفرة لما تضمنه شعره من التعرض للقضاء بقوله من كان بعض أجناده الموت تعظيما لشأن هذا الميت، وأن مثل هذا الميت ما كان ينبغي أن يخلو منه منصب الخلافة ومتى تأتي الأيام بمثل هذا ونحو ذلك.
وقوله: يختشيه القضاء يشير إلى أن الله تعالى كان يخاف منه وهذا إما كفر صريح وهو الظاهر من لفظه أو قريب من الكفر فالشعراء في مراثيهم يهجمون على أمور صعبة رغبة في الإغراب والتمدح بأنه طرق معنى لم يطرق قبله فيقعون في هذا ومثله، ولذلك وصفهم الله تعالى بقوله ﴿ألم تر أنهم في كل واد يهيمون﴾ [الشعراء: 225] قال المفسرون هذه الأودية هي أودية الهجاء المحرم ونحوه مما لا يحل قوله، فظهر لك بهذا البسط والتقرير الفرق بين النواح المحرم والرثاء