في موارد الشريعة عدم اعتبار المظنة، وذلك فيمن أكره على الكفر أو العقود الناقلة للأملاك أو الموجبة للطلاق والعتاق وغير ذلك فإن تلك المظان يسقط اعتبارها بالإكراه ولا يترتب عليها شيء ألبتة مما شأنه أن يترتب عليه عدم الإكراه فهذا فرق آخر بين المظنة والحكمة من جهة أن القطع بعدم الحكمة لا يقدح، والقطع بعدم مظنون المظنة يقدح، وينبغي أن يتفطن لهذه القاعدة وهذه التفاصيل فهي وإن انبنى عليها بيان هذا الفرق فهي يحتاج إليها الفقهاء - رحمهم الله - كثيرا في موارد الفقه والترجيح والتعليل إذا تقررت هذه القاعدة.
فنقول إنما اعتبرت البقاع في الجمعات وهي ثلاثة أميال في الإتيان إليها؛ لأنها مظنة أذانها وسماعه من تلك المسافة إذا هدأت الأصوات وانتفت الموانع لقوله - صلى الله عليه وسلم - «الجمعة على من سمع النداء» فجعل مظنة السماع مقام السماع، ولذلك جعلت البقاع التي في مسافة القصر معتبرة في قصر الصلوات؛ لأنها مظنة المشقة الموجبة للترخيص.
وأما أهلة شهور العبادات كرمضان وشوال وذي الحجة ونحوها فلا حاجة فيها إلى مظنة من جهة الزمان بسبب أن القطع بحصولها موجود من جهة الرؤية أو إكمال العدة، فيحصل القطع بالمعنى المقصود فلا حاجة إلى مظنة من جهة أن الزمان يقوم مقامه فإن المظنة إنما تعتبر عند عدم الانضباط، أما معه فلا فإذا ظننا أن الهلال يطلع في هذه الليلة بسبب قرائن تقدمت إما من توالي تمام الشهور فنظن نقص هذا الشهر أو من جهة توالي النقص فنظن تمام هذا الشهر أو من جهة طلوع القمر ليلة البدر قبل غروب الشمس فنظن تمام هذا الشهر أو من جهة تأخره في الطلوع عند غروب الشمس فنظن نقصان هذا الشهر وغير ذلك من الأمارات الدالة عند أرباب المواقيت على رؤية الأهلة، ويوجب أن هذه الليلة هي مظنة رؤية الهلال فإنا لا نعتبر شيئا من ذلك ولا نقيم المظنة مقام الرؤية؛ لأن لنا طريقا للوصول إلى