أن هذا المعنى مع أنه الأصل خولف في التقاء الختانين فإنا لو قطعنا بعدم الإنزال وجب الغسل، وخولف أيضا في قولهم في شارب الخمر إنه إذا شرب سكر وإذا سكر هذى وإذا هذى افترى فيكون عليه حد المفتري فأقيم الشرب الذي هو مظنة القذف مقامه، ونحن مع ذلك نقيم الحد في الشرب على من نقطع بأنه لم يقذف.
وكان الشيخ عز الدين بن عبد السلام - رحمه الله - يستشكل الأثر الوارد في الشرب في هذا المعنى بهذه العبارة، ويقول كيف تقام المظنة مقام القذف ونحن نقطع بعدم القذف في حق بعض الناس لكن يمكن أن يجاب عن الأثر بما شهد له بالاعتبار من التقاء الختانين فإنه ورد فيه الحديث النبوي.
وهذا قد نقطع فيه بعدم المظنون عند وجود مظنته في بعض الصور فإن قلت: ما الفرق بين المظنة والحكمة التي اختلف في التعليل بها وما الفرق بين الثلاثة الوصف والمظنة والحكمة؟ قلت: الحكمة هي التي توجب كون الوصف علة معتبرة في الحكم فإذا ثبت كونه معتبرا في الحكم إن كان منضبطا اعتمد عليه من غير مظنة تقام مقامه، وإن لم يكن منضبطا أقيمت مظنته مقامه فالحكمة في الرتبة الأولى، والوصف في الرتبة الثانية والمظنة في الرتبة الثالثة ومثال الثلاثة في المبيع أن حاجة المكلف إلى ما في يده من الثمن أو المثمن هو المصلحة الموجبة لاعتبار الرضا، وهي المصيرة له سببا للانتقال ومظنة الإيجاب والقبول فالحاجة هي في الرتبة الأولى؛ لأنها هي الموجبة لاعتبار الرضا فاعتبار الرضا فرعها.
واعتبار الإيجاب والقبول فرع اعتبار الرضا ومثال الثلاثة أيضا في السفر أن مصلحة المكلف في راحته، وصلاح جسمه يوجب أن المشقة إذا عرضت توجب عنه تخفيف العبادة لئلا تعظم المشقة فتضيع مصالحه بإضعاف جسمه وإهلاك قوته فحفظ صحة الجسم وتوفير قوته هو المصلحة والحكمة الموجبة لاعتبار وصف المشقة بسبب الترخص، فالمشقة في الرتبة الثانية منها؛ لأن الأثر فرع المؤثر