تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لا يكون هو المسمى بالواجب المخير فالعتق والإطعام والكسوة أجناس مختلفة والغنم كلها جنس واحد وكذلك الدنانير وغيرها من النظائر فهذا هو ضابط الفرق بين البابين.

(الفرق الخمسون بين قاعدة التخيير بين شيئين وأحدهما يخشى من عقابه وبين قاعدة التخيير بين شيئين وأحدهما يخشى من عاقبته لا من عقابه) هذا الموضع أشكل على جماعة من الفضلاء وتحريره وبسطه وتقرير الفرق بينهما بأن نقول:

أما القسم الأول فمتعذر الوقوع ولا يمكن أن يخير الله تعالى بين شيئين وأحدهما يخشى من عقابه ويقول الله تعالى إن فعلت هذا بعينه عافيتك فهذا لا يجتمع مع التخيير أبدا، وأما ما يخشى من عاقبته فوقوع التخيير فيه ممكن واقع وقد وقع ذلك فمنها «ما وقع لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة الإسراء فجاءه جبريل - عليه السلام - بقدحين أحدهما لبن والآخر خمر فخيره بين شرب أيهما شاء فاختار اللبن فقال له جبريل - عليه السلام - اخترت الفطرة ولو اخترت الخمر لغوت أمتك» فقال جماعة من الفضلاء المغوي حرام والفطرة مطلوبة فكيف يخير - عليه السلام - بين الحرام والمطلوب وجوده، ومما يؤكد أنه حرام أن السبب للضلال حرام وشرب هذا القدح سبب ضلال الأمة كما قال جبريل - عليه السلام - فيكون حراما ومع ذلك فقد وقع التخيير بينه وبين اللبن.

وهذا مشكل جدا فكيف يخير بين سبب الهداية وسبب الضلالة والجواب أن هذا من باب العاقبة لا من باب العقاب والممتنع هو الثاني دون الأول وبسطه أن العقاب يرجع إلى منع من الكلام النفساني فهو تحريم لا يجتمع مع الإباحة؛ لأنه ضدها والعاقبة ترجع إلى أثر قدرة الله تعالى وقدره في الحوادث لا بخطابه وكلامه فلا مضادة بينهما وإنما يضاد الإذن من الكلام المنع من الكلام حتى يصير افعل لا تفعل، أما أثر القدرة والقدر فلا يضاد الإذن بدليل أن الأمة مجمعة على أن الإنسان يخير بين سكنى هاتين الدارين مثلا أو تزوج إحدى هاتين المرأتين أو شراء إحدى هاتين الفرسين فإذا اختار أحدهما بمقتضى الإذن الشرعي الناشئ من الكلام النفساني أمكن أن يخبره المخبر عن الله تعالى أنك لو اخترت ما تركت من الدارين والمرأتين والفرسين لكان ذلك سبب ضلالك وهلاك مالك وذريتك وغير ذلك من سوء العاقبة كما جاء في الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «إنما الشؤم في ثلاث المرأة والدار والفرس» وقال بحمله على ظاهره جماعة من العلماء وكما جاء في الحديث الآخر أنه لما «قيل له - عليه السلام - عن دار يا رسول الله سكناها والعدد وافر والمال كثير فذهب العدد والمال فقال - عليه السلام - دعوها ذميمة» ولو لم ترد هذه الأحاديث فإنا نجوز أن يفعل الله تعالى ذلك

الفروق = أنوار البروق في أنواء الفروق · الجزء ٢ · الصفحة ١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الفروق = أنوار البروق في أنواء الفروقج ٢ · ص ١٢