وكما تقول: الحج واجب في كل العمر مرة واحدة فتصرح بالعموم في العمر وتريده ومع ذلك فمظروفه حجة واحدة.
وهو مطلق الحج فكما أنه إذا حج حجة واحدة في عمره يبقى بقية عمره لا يلزمه فيها حج كذلك إذا لزمه بزمان واحد في متى وأين أو في بقعة واحدة في حيث طلقة واحدة فتبقى بقية الأزمنة والبقاع لا يلزمه فيها طلاق فتأمل ذلك فأمكن الجمع بين قول العلماء أن هذه الصيغ للعموم وأنه لا يلزم فيها إلا طلقة واحدة فإن قلت: فإذا لم يلزمه بإذا إلا طلقة واحدة ولا في متى إلا طلقة واحدة فكيف يظهر أثر العموم وإذا لم يظهر أثر العموم كيف يقضى به ونحن إنما قضينا بالعموم في قول القائل مثلا من دخل داري فله درهم إلا بظهور أثر ذلك فإن كل من دخل يستحق ومن أحرم استحق مانعه الذم فإذا ذهبت هذه الآثار واتحدت الأحكام بين المطلقات والعمومات وكان الطلاق في زمن غير معين على سبيل البدل في القسمين وأن ذلك الزمان غير معين فيهما كان القول بالعموم في أحدهما والإطلاق في الآخر تحكما محضا والتحكم المحض لا عبرة به والعلماء برآء من ذلك ومن أين فهم العلماء العموم على هذا التقدير فعاد الإشكال؟ قلت سؤال حسن قوي والجواب عنه من وجهين:
(أحدهما) ظواهر النصوص الدالة على ذلك منها قوله تعالى ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ [التوبة: 5] لا يفهم منه إلا الأمر بقتلهم في جميع البقاع وثانيها قوله تعالى في الآية الأخرى ﴿حيث ثقفتموهم﴾ [النساء: 91] لا يفهم منه إلا ذلك وثالثها قوله تعالى ﴿أينما تكونوا يدرككم الموت﴾ [النساء: 78] معناه في أي بقعة كنتم ورابعها قوله تعالى ﴿وهو معكم أين ما كنتم﴾ [الحديد: 4] معناه علمه سبحانه وتعالى محيط بالخلائق