الصراحة فعملت النية.
وأما قول ابن القاسم ينوي في الصريح ويكون طلاقا ثلاثا فبناء منه على أن الظهار تحريم ومن ألفاظ الطلاق الثلاث عنده أنت حرام وهو عنده يلزم به الثلاث ولا ينوي فيه، وهو ضعيف على ما يأتي تقريره، وهذا أشد منه ضعفا لأن المدرك هنالك إنما هو الوضع العرفي، وإن العادة اقتضت أنهم إنما يستعملون الحرام في الثلاث.
وأما هاهنا فليس ثم عادة في استعمال الظهار في الطلاق الثلاث وإذا انتفى الوضع العادي انتفت الصراحة المانعة من إعمال النية فالتسوية بين البابين باطلة، والصواب قول سحنون وتقبل نيته فيما أراده من الطلاق وهاتان الروايتان خلاف المذهب الذي عليه الفتيا ومشهور قول ابن القاسم والمنقول عن مالك أنه لا ينصرف للطلاق بالنية شيء على القاعدة المتقدمة.
وأما قول مالك إن نوى بقوله أنت كأمي الطلاق واحدة فهي البتة يريد الثلاث فبناء على لفظ التحريم، وأنه موضوع للثلاث وقد تقدم ضعفه.
وأما قول الأبهري وابن الجلاب أن كناية الأضعف تنصرف للأقوى من غير عكس فضعيف؛ لأن النية ليس من شرطها أن تنقل للأقوى بل من شأنها النقل للأضعف والأقوى، ألا ترى أنها تخصص العموم وثبوته أقوى لعموم الحنث فلا يصير يحنث إلا بالبعض.
وهذه توسعة وتخفيف، وكذلك نقيد المطلق فإذا قال والله لا ألبس ثوبا ونوى كتانا لا يبر به وقد كان قبل النية يبر بغيره وهو تضييق ومقتضى الفقه اعتبار النية في الأقوى والأضعف لقوله - عليه الصلاة والسلام - «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» ولم يفرق بين الأقوى وغيره فهو لو نوى بالصريح من الطلاق طلق الولد أو من الوثاق أفادته نيته في الفتوى مطلقا، وفي القضاء إن صدقته القرينة مع أن طلق الولد أسقط عنه الحكم بالكلية والإسقاط بالكلية أخف من النقل عن الطلاق إلى الظهار فقد نقلت النية إلى الأخف.
وعدم الحكم بالكلية إذا تقررت الأقوال والقريب منها للفقه والبعيد منه، فأقول ليس في قولهم إن الظهار له صريح وكناية أنه إنشاء، ألا ترى أن القذف فيه الصريح والكناية مع أن صريح القذف إنما هو خبر صرف إجماعا فإن قوله أنت زنيت بفلانة ليس إنشاء للزنى بل إخبارا عنه إما كاذب أو صادق ومع ذلك فهو صريح، فكذلك هاهنا لفظ الظهار خبر وهو صريح في الإخبار عن التشبيه الذي نفاه الله تعالى وجعله كذبا وزورا، ومن اللفظ ما يشير إلى هذا التشبيه من غير تصريح فهو الكناية كالتعريض في القذف مثل قوله: ما أنا بزان ولا أمي بزانية. فهذا آخر البحث في هذه المسألة، ولم أر أحدا في المذهب تعرض لها على هذا الوجه بل ظاهر كلامهم أن الظهار إنشاء كالطلاق، والله أعلم بمرادهم غير أن الذي تقتضيه القواعد أوضحته لك غاية الإيضاح.
(المسألة الثانية) إذا قال لامرأته أنت طالق ولا نية له المتبادر إلى الإفهام في بادئ الرأي أنه يلزمه الطلاق بالوضع اللغوي، وأن صريح الطلاق