الشعير وكذلك القول في ثوب القطن بخلاف إذا كان لا ينطق بلفظ الخبز والثوب إلا على الندرة فإنه لا يكون له في الألفاظ اللغوية عرف مخصص يقدم على اللغة فيحنث بعموم المسميات اللغوية من غير تخصيص ولا تقييد فتأمل ذلك. (المسألة الثانية)
إذا حلف لا يأكل رءوسا يحنث بجميع الرءوس عند ابن القاسم ولا يحنث إلا برءوس الأنعام عند أشهب والقولان مبنيان على أن أهل العرف قد نقلوا هذا اللفظ المركب أكلت رءوسا لا كل رءوس الأنعام دون غيرها بسبب كثرة استعمالهم لذلك المركب في هذا النوع خاصة دون بقية أنواع الرءوس فهذا مدرك أشهب فيقدم النقل العرفي على الوضع اللغوي وابن القاسم يسلم استعمال أهل العرف لذلك ولكن لم يصل الاستعمال عنده إلى هذه الغاية الموجبة للنقل فإن الغلبة قد تقصر عن النقل ألا ترى أن أهل العرف يستعملون لفظ الأسد في الرجل الشجاع استعمالا كثيرا.
ولم يصل ذلك إلى حد النقل فإنه لا يفهم منه الرجل الشجاع إلا بقرينة وضابط النقل أن يصير المنقول إليه هو المتبادر الأول من غير قرينة وغيره هو المفتقر إلى القرينة فهذا هو مدرك القولين فاتفق أشهب وابن القاسم على أن النقل العرفي مقدم على اللغة إذا وجد واختلفا في وجوده هنا فالكلام بينهما في تحقيق المناط ولو قال القائل رأيت رأسا لم تختلف الناس أن اللفظ لا يختص برءوس الأنعام بل يصح ذلك لكل من يسمى رأسا لغة بسبب أن هذا التركيب الذي هو رأيت رأسا لم يكثر استعماله في نوع معين من الرءوس دون غيره حتى صار منقولا بخلاف أكلت رأسا فيقر اللفظ على مسماه اللغوي من غير معارض ولا ناسخ وكذلك خلق الله رأسا وسقطت ووقعت رأس وهذه رأس وفي البيت رأس جميع هذه التراكيب ونحوها لم يقع فيها نقل عرفي بخلاف قوله أكلت رأسا ونحوه من صيغ الأكل فإن أهل العرف كثر استعمالهم له حتى صار إلى حيز النقل فقدم على اللغة عند من ثبت عنده النقل فتأمل هذه المسألة فكثير من الشراح والفقهاء إذا مر بهذه المسألة يقول فيها لا يحنث بغير رءوس الأنعام لأن عادة الناس يأكلون رءوس الأنعام دون غيرها ولا تجد في الكتب الموضوعة للشراح غير هذه العبارة وهي باطلة لأنهم يشيرون إلى العرف الفعلي الملغي بالإجماع وإنما المدرك العرف القولي على ما تقدم تحريره.