وحاجتهما للولد وغير ذلك من الأمور الموجبة لبرهما بل مجرد وصف الأبوة مقدم على ما تقدم ذكره وإذا نص النبي - عليه الصلاة والسلام - على تقديم صحبتهما على صحبته - عليه السلام - فما بقي بعد هذه الغاية غاية وإذا قدم خدمتهما على فعل فروض الكفاية فعلى النفل بطريق الأولى بل على المندوبات المتأكدة وقد روي في بعض الأحاديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لو كان جريج فقيها لعلم أن إجابة أمه أفضل من صلاته» لأنه في ذلك الوقت كان الكلام الذي يحتاج إليه في الصلاة مباحا كما كان في أول شرعنا وعلى هذا التقدير يندفع الإشكال ويكون جريج عصى بترك طاعتهما في أمر مباح أو مندوب إليه وهو الصمت حينئذ.
فوائد في الحديث المتقدم: المياميس الزواني جمع زانية ووجه المناسبة أنه لما منع أمه من النظر إلى وجهه محتجا بالصلاة دعت عليه بأن ينظر إلى وجوه الزواني عقوبة على الامتناع من النظر إلى وجهها ويدل الحديث أيضا على منع السفر المباح إلا بإذنهما فإن غيبة الوجه فيه أعظم ويدل أيضا على وجوب طاعتهما في النوافل ويدل أيضا على أن العقوق يؤاخذ به الإنسان وإن عظم قدره في الزهد والعبادة لأن جريجا كان من أعبد بني إسرائيل وخرقت له العادات وظهرت له الكرامات فما ظنك بغيره إذا عق أبويه ويدل على تحريم أصل العقوق قوله تعالى ﴿فلا تقل لهما أف﴾ [الإسراء: 23] وإذا حرم هذا القول حرم ما فوقه بطريق الأولى ويدل على مخالفتهما في الواجبات قوله تعالى ﴿وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما﴾ [لقمان: 15] وفي الآية فائدتان: الفائدة الأولى أن الأبوين يجب برهما ويحرم عقوقهما وإن كانا كافرين فإنه لا يأمر بالشرك إلا كافر ومع ذلك فقد صرحت الآية بوجوب برهما الفائدة الثانية أن مخالفتهما واجبة في أمرهما بالمعاصي ويؤكد ذلك قوله - عليه السلام - «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» .
(المسألة السادسة) قال أبو الوليد الطرطوشي: أما مخالفتهما في طلب العلم فإن كان في بلده يجد مدارسة المسائل والتفقه على طريق التقليد وحفظ نصوص العلماء فأراد أن يظعن إلى بلد آخر فيتفقه فيه على مثل طريقته لم يجز إلا بإذنهما لأن خروجه إذاية لهما بغير فائدة وإن أراد الخروج للتفقه في الكتاب والسنة ومعرفة الإجماع ومواضع الخلاف ومراتب القياس فإن وجد في بلده ذلك لم يخرج إلا بإذنهما وإلا خرج ولا طاعة لهما في منعه لأن تحصيل درجة المجتهدين فرض على الكفاية قال سحنون: من كان أهلا للإمامة وتقليد العلوم ففرض عليه أن يطلبها لقوله تعالى ﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر﴾ [آل عمران: 104] ومن لا