تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومراسم الإستقبال في كل محطة نقف فيها ودعك عن المجاهدين الذين برزوا بلباسهم العسكري وأسلحتهم التي تلمع مع إشراقة الشمس 0

وبعدها سرنا إلى منطقة أستانة التي تضم أربع قرى (بهارك ., أورو , سنكنا, استانة)

قال مسعود ونحن في السيارة: الحمدلله لقد بدأنا ببندقية شولدز وها نحن الآن نملك الأسلحة بأنواعها حتى الدبابات , وعندما كنا نمر بين أعطاف قرية (سنكنا) قال مسعود : تعتبر هذه القرية من أشهر القرى بإنتاج العنب , فنظرت نحوها مليا وإذا بها ركام من التراب لم تعد ترى فيها شجرة يانعة0

ألا ابك لإحراق وهدم من-----------ازل

وقتل وإنهاب النهى والذخائر

وإبراز ربات الخدور حواس----------را خرجن بلا خمر ولا بم-------آزر

كأن لم تكن بنشير أحسن منظرا وملهى رأته عين لاه وناظ----ر

محرقة الآليات :

ثم سارت بنا السيارة إلى منطقة بارانده وفيها ست قرى صغيرة متجاورة (مالاصبا نواليخ وجنكلك وبازاراك ورحمن خيل وملا خيل) وكان من بين مالاصبا وجنكلك اكوام الدبابات المدمرة والسيارات المحطمة ما لا يقل عن ثلاثمائة آلية تحيط بالطريق من الجانبين فسألت مسعودا عن تاريخ تدميرها فأجاب : لقد تدمرت في سنتي 6891, 7891م فقط فقلت له : وكيف تركتها الدولة بهذا الحال ? فقال: رغم المحاولات المستميتة فإن الدولة فشلت أن تقيم مركزا في هذه المنطقة ,ولذا لم تستطع أن تسحب هذه الآليات التي شهدت النهاية الأسيفة الحزينة لراكبيها الذين تطايرت لحومهم مع قطع الحديد المنصهرة تحت ضربات صواريخ RPJ التي أذاقت من شواظها لهيبا نزع أرواح هؤلاء قبل أن ترى لهيب جهنم0

رخا (حدائق الموت) :

وفي يوم الجمعة 12 صفر 1409ه- الموافق 32 / سبتمبر وصلنا إلى رخا (مركز المديرية) ورخا تذكرنا بحديقة الموت في اليمامة التي استعصم بها مسيلمة الكذاب واستحر القتل فيها بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم , وتذكرنا بطولة أحمد بانا وجادا ببطولات الصحابة رضوان الله عليهم خاصة البراء بن مالك الذي تعلق بالكلاليب المحماة التي سلخت لحمه0

سنة 2891م يحتل الروس اعنابة ورخا ويلقون بثقلهم فيهما ويزرعون خمسة آلاف روسي في رخا ومثلها في اعنابة0

ووزع الروس مراكزهم على قمم الجبال الشامخة حول رخا وعلى قمم التلال الصغيرة المحيطة بها كذلك 0

وذات ليلة جاء المجاهدون وخاضوا في الثلوج التي تصل إلى صدورهم وتسلقوا الجبال المتوسطة الإرتفاع (بن القمم الشاهقة والتلال الصغيرة) ونصبوا أسلحتهم الثقيلة (الدوشكا والهاون) فكان الروس في السهل على حافة النهر ثم على رؤوس التلال الصغيرة وبعدهم المجاهدون على جبال متوسطة الإرتفاع وفوقهم الروس مرة ثالثة فوق الذرى الشاهقة 0

وعدا الروس خلف ظهرك روس

فع-لى أي جانبي-ك تمي----ل

كان مسعود يشير إلى مراكز المجاهدين ولا أكاد أصدق ماأسمع وكأنه يحدثني عن قصص ألف ليلة وليلة - كما عبر عنه ذات مرة - عيناي تنظران وعقلي يتملى الحديث لعله يستسيغ مايسمع, إنه عمل بشري شخوصه من لحم ودم ولكن الطاقات القاصرة والهمم الهابطة لا تكاد تصدق هذه الوقائع التي جعلت روسيا تخر صاغرة على أقدام المجاهدين تطلب الصلح وتلتمس الهدنة :

وإني لمن قوم كأن نفوسهم

بها أنف أن تسكن اللحم والعظما

لقد حاول الروس محاولات يائسة أن ينزلوا هذه الصقور التي حطت في ظلال الليل بين الثلوج, وجربت المدفعية والصواريخ والطائرات ولكن المجاهدين أصبحوا رواسي ثابتات كهذه التي تقلهم0

ولكن أنى لهم طعام يأكلونه أو خبز يقتاتونه ? وكيف الوصول إليهم من بين جموع الروس ونيرانهم ? لقد كان طعامهم لعشرة أيام التوت الجاف ولاغير ثم صاروا يوزعون البطاطا بالحبة كوجبة لكل مجاهد, وبقي طعامهم البطاطا فحسب وحتى هذه البطاطا كانت اثمانها قرضا من أيدي التجار.

قال مسعود : كنا كلما رأينا حصانا قادما نحو قواعد المجاهدين نحسبه تاجرا جاء يقتضي دينه 0 كانت المعارك مستمرة من طلوع الشمس إلى غروبها ولا يستطيع الروس أن يتحركوا بين مراكزهم إلا ركضا وكلما تحرك متحرك أثتاء النهار فاجأته رصاصة الدوشكا أو قذيفة الهاون فتعيد إليه صوابه ليأخذ على نفسه عهدا ألا يتحرك إلا تحت جنح الظلام الدامس0

لقد استطاع هؤلاء الشباب الذين يعيشون بين جبال الجليد والثلوج أن يعل موا الروس درسا قاسيا ,وأن يقيدوا حركة خمسة الآف من الروس 0

أسد فرائسها الأسود يقودها

أسد تصير له الأسود ثعالبا

وكما قال ابن القيم ( إذا طلع نجم الهمة في ظلام ليل البطالة وأردفه قمر العزيمة أشرقت أرض القلب بنور ربها).

أهل رخا:

وفي هذه الفترة ماكان أهل رخا يسكونها إلا ليلا فترى الأطفال من قبل طلوع الشمس يهرولون قبل آبائهم فرارا إلى الكهوف في الجبال, ويقضون سحابة يومهم في المغاور حتى إذا غربت الشمس وانتشر الظلام عادوا إلى بيوتهم فرارا من البرد القارص وذلك بسبب المعارك التي تستمر أحيانا من الصباح إلى المساء0

الهجوم:

يقول مسعود وقررنا اقتحام مركز الفرقة والدخول على الروس في خيامهم , وكان قرارا يحتاج إلى نفوس باعت أرواحها لله وطلبت ثلاثين مجاهدا لتنفيذ العملية فإذا بمائة من المجاهدين حولي وكانت مجازفة رهيبة ومغامرة خطيرة إذ أن النهر يعترض طريق المجاهدين عدا الثلوج التي تكسوالجبال ولكن:

إذا لم يكن إلا الأسنة مركبا

شهر بين العمالقة · الصفحة ٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شهر بين العمالقةص ٨