تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

البعير المبعد ولقد كان إدخال تنين في بيت من البيوت أحب إلى صاحبه من إدخال أحدنا فيه , وتقدم رجل شهم من هذه البلدة واسمه (عبدالمتين) وفتح لنا بيته وقال: ليس عندي سوى سير (7كغم) من الطحين فهي لكم حتى يرزقنا الله غيرها, وكان ابنه محمد إبراهيم من خيرة القادة الذين فقدهم الجهاد وقد رأيت هذا الرجل فسألته عن عمره فقال: سبعون عاما وقد كان عبدالله أنس يحدث عنه معجبا به ويقول: هذا هو الأسد السادس في بنجشير (لأن بنجشير : خمسة أسود وهذا سادس الليوث) وهو رجل لازالت الفتوة بادية على محياه بالإضافة إلى هيبة تضفي عليه الوقار وتلقى الرهبة في قلب الناظر إليه عدا عن نور يشع من جبينه يعطيه رونقا وبهاء0

هو واد واحد يمتد من باريان / بدخشان إلى شتل في بروان على طول مائة كيلومتر يرافقك في أثناء مسيرتك نهر كأنه اللجين (الفضة) لا تجعلك تمل من رحلتك ولاتسأم من مشيتك , ويغيب التعب وتنسى الضناء والعناء في هذه الرحلة وأنت تستمتع بخرير الماء وخضرة الشجر وألوان الثمر . وإن كانت الطريق في بعض منعطفاتها تلقى في نفسك ظلالا من الخوف والرهبة وأنت ترى نفسك فوق مرتفع يطل على النهر ولم تبق الإنهيارات الجبلية تحت قوائم حصانك عدا مسربا ضيقا لايزيد عن عرض الحصان وتنظر تحتك لترى الهوة السحيقة التي ستتردى فيها فيما لو زلق الحصان أو أدركه في هذا المأزق الحران ( رفض الدابة على الطاعة)0

وأما الآن فقد جاء عامل جديد يضفي على منظر الوادي روعة ورونقا وجمالا وهو حطام الدبابات والمدرعات التي يعجزك عدها وإن كنت راكبا جوادك الذي يسير على مهل لأن الكثرة والتناثر يجعل الإحصاء شاقا ومجهدا . فهذه دبابة قد أصابتها القذيفة فانقلبت في ماء النهر ولم يبق منها سو ى عجلاتها الشاخصة إلى السماء فوق الماء . وتلك مدرعة قد انكفأت على وجهها وثالثة قد سقط جنبها ورابعة تحطم زجاجها وأما القرى على جانبي الوادي فإنها تذكرني بشعر عمر بن أبي ربيعة :

هي-ج القلب مغ-ان وصي-----ر

دارسات قد علاهن الشجر

ورياح الصيف قد أزرت بها

تنسج الترب فنونا والمطر

وعندما كنت أرى القرى المدمرة التي لم يخر سقفها فقط بل جدرانها تهاوت فكانت الصورة التي تشخص في ذهني وتمر في خاطري : صورة القرى الرومانية التي مر عليها في الأردن قرابة ألفي عام ودوائر الآثار تحافظ على بقايا جدرانها وحجارتها لتكون محطات للسياحة تدر الدخل على البلد من تهافت السائحين لرؤيتها0

وعجبت لهذا التدمير الشامل الذي عم الوادي ثم سألتهم عن سبب هذا ولم يكن الجواب سوى : التنظيم الدقيق الذي شاهده أعداء الله في الوادي والمقاومة العنيفة التي واجهها هذا الدب واللدغات القاتلة التي ذاق وبالها في مسارب هذا الوادي وشعابه وأنت تعجب ومسعود يصف لك حال القرى قبل الغزو الروسي0

الموكب المهيب:

لقد ابتدأت رحلتنا في بنجشير من باريان وقد وصلناها الساعة الثامنة بعد الغروب بساعتين وكان في انتظارنا قرابة مائتي فارس ومئات من المجاهدين الذين يرتدون بز اتهم العسكرية وبنسق واحد يحملون رايات مكتوب عليها آيات النصر وبعضها عليه عبارات الترحيب , وكان موقفا يأخذ بمجامع القلوب , ويملك على النفس مشاعرها وأحاسيسها وتهيج الذكريات إلى مواكب العزة التي تحركت في الأرض أول مرة تحمل هذا الدين لتنقذ به البشرية أيام الصديق والفاروق زضي الله عنهما وقد حيانا (سارنوال محمود) قائد بنشير التابع لمسعود وعانقنا بحرارة وقال رباني ينقل إلي ترجمة كلام محمود : لقد كان في إنتظاركم سبعمائة فارس منذ الساعة العاشرة صباحا وعندما يئسوا من قدومكم رجع خمسمائة منهم وبقي منهم مائتان 0

وفي الصباح تحرك الموكب يتقدمه أحمد شاه مسعود ورباني وكنت قريبا منهما ووراءنا الخيول التي تصهل وتضج وتصل قرابة المائتين وجماهير الناس التي هرعت لترى هذا الموكب وفي كل مكان تمر فيه تجد صفوف المجاهدين المرتبة المنضبطة تحمل الرايات الخضراء ثم يتقدم قائد السرية ويحيي التحية العسكرية والأسلحة مشرعة مرفوعة تحية لقائد الجمعية /الشيخ رباني , ثم يحييها الأستاذ رباني ويطلب منهم إنزال السلاح والراحة0

وأما جماهير الناس فكأنهم جراد منتشر زحفت لتحيي الضيوف وكل واحد يود لو يحظى بمصافحة أو تحية أو ابتسامة0

واما المجاهدون فكنت ارقب مليا نوع سلاحهم فكنت أراها روسية - أي غنائم- وما أجمل أن تقول فيهم ما قاله بكر بن النطاح :

ومن يفتقر منا يعش بحسامه

ومن يفتقر من سائر الناس يسفل

وإنا لنلهو بالسيوف كما لهت

فتاة بعقد أو سخاب قرنفل

يوم أغر من الزمان محجل :

كان من أشد الأيام تأثيرا في أعماق النفس وقد ترك بصماته جلية على القلب في اليوم العاشر من صفر سنة 9041ه- الموافق 12/سبتمبر 8891م0

لقد بدأ الموكب مسيرته من الصباح ابتداء من خنج (بلد سارنوال محمود) وتتقدمنا دبابة فيها المجاهدون ثم ناقلات الجنود التي غنموها وهي تطفح بالمجاهدين الذين تعلقوا بها من كل جانب , وهتافهم تدوي اصداؤه في جنبات الوادي بين تكبير ونشيد ووراءنا سيارات الجيب , وركبت مع الشيخ رباني ومسعود وأرينبور وعبدالله أنس في سيارة مكشوفة وسار الموكب يتهادى بين هذه الهتافات والناس على جانبي الطريق كلما وصلنا قرية أو مركزا وكتائب المجاهدين تنتظر, وغالبا ما يكون الناس قد نصبوا سرادقا ليتوقف الموكب فيستمع القوم كلمة أو توجيها ويقدمون التحية من الفواكه البنشيرية التي سلمت أشجارها من التدمير والابادة ويلفت نظرك التفاح البنشيري الذي خل فت الشمس على وجناته المشرقة حمرة أخاذة0

وصلنا إلى بشغور واستقبلنا قائدها طارق , وبشغور هذا المركز العظيم الذي يذكرك بفتح رمضان الكبير سنة 6041ه- حيث تقدم ثلاثة وخمسون مجاهدا كفرقة هجومية ويسندهم حوالي مائة آخرون وقد أسروا حوالي أربعمائة من الكفار فيه من بينهم 78 ضابطا . من بينهم الجنرال أحمد الدين الذي قتله المجاهدون , ونكست الأعلام عليهم عدة أيام في كابل

ثم سار الموكب من بشغور إلى آشابه ثم استرحنا قليلا وقد ذكرنا هذا المركز بالأخ نور الدين الذي قضى فيه أياما عزيزة ولكنها شديدة لأن قائده الآن هو شقيق القائد ميرزا الذي كان يتولى قيادة المنطقة بين فكي الموت , ومن آشابة سار الموكب إلى ثلاثة مراكز متقاربة (كرامان وعبدالله خيل ودرهء هزارة) وفيها صلينا الظهر واسترحنا قليلا ليلقى الغلمان أناشيدهم التي كانت لازمة من برامج الإحتفال

شهر بين العمالقة · الصفحة ٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شهر بين العمالقةص ٧