ووجدت الشيخ رباني قد غادر الخيمة متوجها نحو الحاج متين مع ولدي ( حذيفه وإبراهيم ) وكانوا قد سبقونا بكثير , الا أني وجدت أحد حراس الشيخ ينتظرني وكان رباني قد أوصاه أن ينتظرني في الخيمة حتى الغروب والا فليتوجه نحو الجبل وليلفني ببطانية وليحملني على ظهره إن احتاج الأمر 0
وفرح الحارس بوصولي كثيرا وطار يخبر الشيخ رباني أما أنا فدون وصولي إليهم عند الحاج متين خرط القتاد إذ أن الظلام أرخى سدوله وأطبق الغسق وبيني وبينهم طريق كأنه الحرة , صخور كثيرة لا أستطيع أن أمشي عليها في الليل ومن الصعب على الحصان أن يمشي ثلاث ساعات في هذا الطريق المضني .
من مجاهد كوتل الى الحاج متين :
وآثرنا المبيت لنواصل مسيرتنا في الصباح الباكر بعد صلاة الفجر وسرنا نحو الحاج متين أنا وعبد الله أنس وأبو الحارث ومعنا حصان واحد وأخيرا وصلناه قرب الساعة التاسعة فوجدنا الأولاد ينتظروننا مع جعفر اليماني عند الحاج متين 0
الفطور يوم 11 أكتوبر 8891 عند الحاج متين:
الحاج متين : رجل مضياف له قرية صغيرة باسمه يذكرك كرمه بحاتم , إذ أن بيته أصبح مستراح العناء ومحطة الإسترخاء بعد طول ضناء , وتعجب أن خدمته لقوافل المجاهدين لا تتوقف فتراه وهو في الستينات تقريبا يقوم بنفسه وأولاده على خدمة المجاهدين دون كلل أو ملل ودون أن ينتظر من القوافل أي جزاء أو مقابل ,ويذهلك أن تتصور مئات المجاهدين بل الآلاف أحيانا يمرون بهذا البيت الذي لا يكاد دخانه ينقطع ولا ترى أهله يعرفون الراحة أو الإستقرار , وما أجمل أبيات حاتم في عبده وهو يخاطبه:
أوقد يا غلام فالليل ليل قر
والريح يا غلام ريح صر
إن جلبت ضيفا فأنت ح--ر
لقد كان الكرم سجية لدى الأوائل:
قوم إذا أخوت ال--نجوم فإنهم للطارقين النازلين مقاري
(خوت النجوم: أجذبت السماء مقاري: من قرى الضيف وإطعامه)
وافطرنا عند الحاج متين وجاء لنا بالزبدة واللبن وصنع لنا خبزا جديدا بالإضافة إلى العسل 0
من الحاج متين الى حدود باكستان في الحادي عشر من أكتوبر :
بعد فطورنا عند الحاج متين أخذنا الخيول التي تركها لنا الأستاذ رباني وعلونا صهوتها وأخذنا نشق طريقنا الصعب وإلى المرتقى السامق صاعدين إلى قمة الجبل 0
صلاة الظهر والعصر : ووصلنا القمة الساعة الواحدة وصليت فوق الثلوج جمعا وقصرا ثم بدأنا نهوي إلى أسفل الوادي 0
الثلوج المتساقطة :
وفاجأنا سقوط الثلوج الذي صار يتزايد تدريجيا , وكان لابد لنا أن نقطع طريقنا قبل الغروب وقبل أن تتراكم الثلوج فوقها مما يؤدي إلى اختفاء معالمهاوضياع السالكين عليها , وكان عباس برفقتنا مع أبي الحارث وحذيفة وإبراهيم وازداد تساقط الثلوج وأخذت معالم الطريق بالاختفاء ,وكنت ادعو أن يقينا الله شر الثلج والمطر وصار الثلج يتراكم علي وأنا فوق صهوة جوادي وابتلت ملابسي وأخذت الأرجل تبرد تدريجيا فكان لزاما علي أن أترجل عن حصاني وأمشي لأتغلب بحرارة الحركة على برد الجو وزمهريره ,وكانت الوديان تعترض مسيرتنا وأحيانا تغرق أرجلنا بالوحل وأخرى بالمياه , وهذا أمر يسير 0
إذا اعتاد الفتى خوض المنايا فأهون ما يمر به الوحول
وكنا نسابق الشمس حتى لاتدعنا وحدنا صيدا للظلام ونهبا للثلوج التي ستتراكم علينا فيما لو أدركنا الدجى وضاع الطريق , وكم من المجاهدين قضوا نحبهم في مثل هذه الليالي , ودعك عن قطعان الذئاب التي تنطلق في مثل هذه الظروف بحثا عن فرائسها وطمعا في سد جوعتها , ولا نستطيع الوقوف بل لابد من حث الخطى وجد السير حتى لا يتملكنا الضياع 0وساق الله إلينا أفغانيا فتشبثنا به حتى يكون الهادي الخر يت (الماهر) على هذه الجادة وكلما سبقنا ببغله أسرعنا الخطى في أثره حتى إذا أعيانا إدراكه نرفع صراخنا نحوه مستوقفين له 0
شبح الموت :
وكانت الخواطر تتوالى على مخيلتي وكلها علامات استفهام حول المصير!! أهي النهاية المحتومة التي ساقتها أقدارنا نحوها لنلقى حتفنا?! , أتكون المنية بين هذه الجبال ? وكنت أردد في مخيلتي:
ماكنت أحسب أن تكون منيتي بين الثلوج على طريق مدنف
والتوجسات التي تمتلك الإنسان في مثل هذه الظروف وكأني بنداء من أعماق أعماقي يقول : إنها شهادة فلا بأس (من وضع رجله في الركاب فاصلا فوقصته دابته فمات أو لدغته هامة فمات أو مات بأي حتف مات فهو شهيد وأن له الجنة )حديث صحيح0؛ ومن يخرج من بيته مهاجرا الى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله « النساء001 (والذين هاجروا في سبيل الله ثم ماتوا أو قتلوا ليرزقنهم الله رزقا حسنا وإن الله لهو خير الرازقين ليدخلنهم مدخلا يرضونه وان الله لعليم حكيم) الحج 85-95, وقد جاء في الصحيح أن فضالة بن عبيد الصحابي كان في إحدى الغزوات فاستشهد أحد المجاهدين ومات آخر فجلس فوق رأس الميت ( عند رأسه في القبر ) فقال له المجاهدون أتجلس فوق رأس الميت وتدع الشهيد فقال والله ما أبالي من أي الحفرتين بعثت أمن هذه أم من هذه لأن الله عز وجل يقول ( والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا 0000) فقد سوى الله بين القتلى والموتى ووعدهم الرزق الحسن والمدخل المرضي 0
ولكن الذي كان يتنازعني هاجس الخوف على إبني ووددت لولم اصحبهما معي في السفر , وكلما سرنا مسافة نسأل المارة أما آن لهذا الطريق أن ينتهي ? أوليس لهذه المسيرة من حدود ? والأجوبة تأتيك بقيت عليكم ساعتان , بقيت ساعة وهكذا والنفس راغبة في النجاة 0
إذاعناها كلال السير أوعدها روح القدوم فتحيا عند ميعاد