تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

من الغابة الى مجاهد كوتل في اليوم العاشر من أكتوبر

كانت الغابة جد قريبة من مجاهد كوتل , وفي الصباح الباكر صلينا الفجر وكان الوضوء من ماء قد تحول سطحه الى جليد في بعض انحائه كأنه الزجاج , ولم يكن لدي حصان ,إذ أنني رأيت القائد أمين قد وصل الغابة ليراجع الأستاذ رباني ببعض إحتياجاته الجهادية وكان لابد له أن يرجع بحصانه اذ العقبة الكؤود التي تنتظر المجاهدين هذا اليوم قد تودي بالحصان ,واستأجرنا خيولا جديده وركبناها ومضينا .

ولم أر في حياتي كلها يوما أشد علي من هذا اليوم فقد غادرنا الغابة قرابة الساعة السابعة صباحا ومضينا ومررنا على الطائرة التي حولها المجاهدون الى مطبخ أقاموا فيها المواقد لغلي الشاي , وبدأنا نتسلق مجاهد كوتل , وقد تحولت الثلوج التي تساقطت في الأيام الماضية الى جليد يجعل المشي عليه ضربا من التزحلق على الجليد0

لم يعد بإمكاني أن أركب الحصان أذ أن إمتطاء صهوة الحصان مغامرة خطيرة ومغبتها وخيمة قد تسلمك الى الهاوية التي تلقى فيها مصرعك , وألقيت الجاكيت على ظهر الحصان الذي استأجرته لأن الجاكيت يصبح عبئا ثقيلا ينوء بحمله كاهلي او ساعدي , وبدأ ت أحبو على أربع إذ أن الاستمرار بالمشي قائما يصحبه كثير من المزالق ويتعذر معه مواصلة المسيرة وبينما كنت ألتقط أنفاسي بصعوبة بالغة يقطعها اللهاث المتواصل كانت قوافل المجاهدين من البغال والخيل والحمير تنحدر نحو أسفل الجبل , هذه الدواب المحملة بأثقالها من ذخيرة ومتاع وطعام وكل دابة منها يمكن أن تودي بحياتك فيما لو انزلقت قدمها وهي تواجهك في هبوطها0

ولقد حصل أن حمارا انزلقت رجله, وكان الأستاذ رباني يشق طريقة صاعدا الى قمة الجبل وكاد الحمار أن يجرف الأستاذ رباني لولا أن الله ساق أحد حراسه وألقى بنفسه تحت الحمار وأخذ بحزام الحمار وأوقفه 0

وعلى مقربة من القمة إذ لم يبق سوى مائة متر تقريبا عن القمة وأنا أعجب من نفسي إن كان بإمكانها أن تواصل مسيرتها الى قمة الجبل أم أن نياط القلب ستنقطع لشدة الجهد الذي أكابده والعناء والإرهاق الذي يتخلل كل خلايا جسمي , وبينما كنت على هذه الحال وإذا بمنظر حمار يتدحرج من القمه بحمولته وصاحبه يتقلب معه ظانا أنه سيمنع حماره من أن يلقى مصيره محطما في قاع الوادي ثم أدركه اليأس ليسلم حماره إلى مصيره الحزين ونهايته البئيسة , وهنا لم أستطع أن أتمالك نفسي لشدة الموقف فانفرطت ضاحكا (وإن كان ضحكا كالبكا), وإنه لمن العسير علي أن اترجم الآلام التي يتحملها هؤلاء القوم أو أنقل الأهوال التي يكابدونها سواء في الحل أو الترحال ,وأقول في نفسي :

لاأبعد الله عن عيني غطارفة جنا اذا ركبوا إنسا اذا نزلوا ..

ولكنها الجنة :؛أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين « آل عمران , ولقد أدركت أنه يكاد أن يكون مستحيلا أن تجد الأن شعبا يدب فوق هذه الغبراء يستطيع احتمال مااحتمله الأفغان , ولعل هذه هي الحكمة التي اختار الله لأجلها الشعب الأفغاني في هذه الآونة الحالكة من تاريخ هذه الأمة , وذلك لانقاذها من هوة اليأس ووهدة الا ستسلام والضياع 0

وإنه لأجر عظيم ذاك الذي سينتظر هذا الجيل المجاهد فيما لوتوفر الاخلاص أو واكبته الاستقامة وكل أجر دون الجنة فهو زهيد وكل عوض غير الفردوس فهو ضئيل ورحم الله جعفر الصادق إذ يقول :

أثا من بالنف-س النفيس-ة ربها ول--يس له-ا ف-ي الخ-لق كلهم ثمن

بها تشترى الجنات إن أنابعته--ا ب--ش-ئ سواه--ا إن ذل-ك-م غ--بن

ل-ئن ذهبت نفسي بدنيا أصبتها لقد ذهبت نفسي وقد ذهب الثمن

قال الحسن : مر أعرابي على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ هذه الآية ؛إن الله اشترى من المؤمنين انفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة«التوبة 11 فقال : كلام من هذا? قال : كلام الله قال : بيع والله مربح لانقيله ولا نستقيله فخرج الى الغزو واستشهد 0

مات الحصان : وقرب القمه جاءني دين محمد - سائس الحصان - الذي كنت أركبه وعلى ظهره خرج فيه أمتعه ثم قال بلهجة حزينه شيخ ( آسب مرد ) مات الحصان 0

نعم لقد مات الحصان وكم نفق على طول الطريق من الدواب , فترى على طول الطريق هذه الدواب المتناثرة المي تة بعد أن أعياها المسير وأزهق روحها مكابدة مشاق الطريق حتى لقيت حتفها وقد مشت اليه بظلفها 0وعلى طول الطريق ترى الناس هذا يدفع حماره أملا أن يبلغ به غايته , وكلما عثر الحمار أو زلقت الدابة نظر الى المارة يستنجدهم ليرفعوا معه حصانه وهو يئن تحت حمله الثقيل وتراه يخاطب الناس (أو لم تنطقوا بالكلمة ?) أي أولم تتفوهوا بالشهادة وكلمة التوحيد? فدخلت معكم في عقد الاخوة الايمانية الذي يوجب عليكم مساعدتي ?

أما المجاهدون وأصحاب الدواب (كراكاش) فأحيانا تجد أحدهم وهو ينتفض لشدة البرد ينتظر مصيره المجهول ولايدري أين توافيه منيته?

ؤاخر ماسكا رأسه بكلتا يديه وعيونه تحدق بالمارة لعله يرى رجلا يأنس فيه الخير فيستدعيه ليقرأ على رأسه ويرقيه بأدعية ويسأل عن حبة دواء تسكن آلامه , وثالث يئن واضعا يده على معدته يرجو رحمة ربه ويرقب الخلاص من الألم الذي يأخذ بمجامع نفسه كلها 0

ومع هذا كله فالحركه لا تتوقف وسيل القوافل متدفق ولاتجد وحشة على هذا السبيل لكثرة السالكين الذين يواصلون العطاء رغم مرارة المحن وشدة البلاء 0

فتلك رب-وعه--م بال-داف--ق ال--موار تغتسل

وتلك جماجم الاطفال تسحق وهي تبتهل

وأعراض النساء بها يعيث الملحد الثم-ل

فما ذل الإباء بهم وما بهم احتفى الفشل

ورأس الشعب مرتفع وموج البذل متصل

وأخيرا وصلنا القمة : الساعة الواحدة بعد الظهر وكنت أود أن أجمع الظهر والعصر ولكن أنى لك بالماء الذي به تتوضأ وأين تجد المكان الذي يمكنك فيه السجود وجاء وقت الانحدار عن السفح الآخر وبدأنا نهوي وهنا يقابل الرهق الذي يواكب الصعود , تعب آخر الانزلاق وأنت آخذ طريقك في الهبوط , وجاء أبو الحارث وسار أمامي لأن حذائي لم يكن من النوع الذي يثبت فوق الجليد فكان لا بد لي أن أتكئ على أبي الحارث مثل أن أضع قدمي وبيدي الأخرى عصاي التي أتوكأ عليها ولا أدري أيكون المنزلق من منسأتي أم من حذائي ? وطالت المسيرة ونحن نأمل أن ندرك الخيمة التي تقبع أسفل الجبل قبل الغروب لنلحق صلاة الظهر مع العصر وبدأت الشمس تصفر ونحن نواصل السير وجد بنا المسير ونحن نسابق الشمس التي بدأت تلم أذيالها وتحني برأسها نحو الغروب.

وقبل الغروب بدقائق وصلنا الخيمة وبمثل البرق الخاطف توضأنا وصلينا الظهر والعصر ثم أذن المغرب وصلينا المغرب وشربنا بعض الشاي ولأول مرة نطعم أو نشرب بهذا اليوم 0

شهر بين العمالقة · الصفحة ٤٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شهر بين العمالقةص ٤٠