تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لقد قامت بيني وبين الخيل إلفة ومودة فتعلق القلب بها , وصرت أفهم بعض المعاني التي كانت تشير اليها الأحاديث الشريفة وما ورد في أشعار العرب قبل الإسلام وبعده0

وقد فهمت حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي رواه أحمد عن ابن مسعود مرفوعا (الخيل ثلاثة : ففرس للرحمن وفرس للشيطان وفرس للإنسان فأما فرس الرحمن فالذي يرتبط في سبيل الله ,فعلفه وروثه وبوله في ميزانه , وأما فرس الشيطان فالذي يقامر أو يراهن عليه - وأما فرس الأنسان فالفرس يربطها الإنسان يلتمس بطنها فهي ستر من الفقر) صحيح0

وفي حديث آخر(خيل أجر , وخيل وزر , وخيل ستر) فخيل الأجر:هي خيل الرحمن ,وخيل الوزر : خيل الشيطان وخيل الستر هي خيل الأنسان 0

وقد عرفت خيل الإنسان أو خيل الستر إذ أن أصحابها يعيشون على كرايتها سواء للركوب أو للحمل ويبقى صاحبها ملاصقا بك ويسابقك في السير , روحة معلقة بها , يخشى عليها الردى أو الضعف 0

إذا حاولت مع الجواد الطراد إحمر وجهه واصفر 000 وفي طريقنا من إسكازر الى الغابة إستأجرت مع أبي الحارث وجعفر وأخذتنا نشوة الطراد ونحن نشق هذه البيداء (صحراء كران ) وما كنا نعلم أن هذا يؤذي أصحابها , ودعاناأمين خان / قائد مع عبد البصير خان - على الطريق وعر جنا عليه في مركزه غند الفتح في شيران - وربطنا خيولنا على أبواب الغند , ولشدة ما كانت دهشتنا عندما خرجنا من الغداء لنواصل مسيرتنا الى الغابة أن لم نجد خيولنا , وتحيرنا في الأمر , ثم علمنا من بعد أن أصحابها غضبوا أشد الغضب وكان أحدهم يبكي ونحن في طراد الخيل ويقول : مات الحصان , مات الحصان 0

ولذا فعندما وصلوا ( معسكر الفتح ) حل وا خيولهم ثم عادوا وتركوا أجرتها , وهذا يذكرني بقول الشاعر الجاهلي عن فرسه واسمها (سكاب) فيقول :

أبيت اللعن أن سكاب علق نفيس لا تعار ولا تباع

(والعلق : النفيس)

واهتمام المالك بفرسه عجيب إذ أنها مصدر رزقه , وتراه مهتما بسوطه وسرجه وتبنه وشعيره , فكانوا يقومون الساعة الثانية ليلا من أجل إعلافها 0

من شيران مركز الفتح الى الغابة:

عندما وجدنا خيولنا قد أخذت احترنا كيف نواصل السير وإذا بالقائد أمين يقدم لي حصانه وأثنين من جنده ليرافقاني الطريق وتقدم لي بهدية وهي ( ن : كبوت من الصوف من صنع يدوي في بدخشان)وقدم للأولاد هدايا من محارم اليد المطرزه المزركشه وطاقية وكلها صناعة أفغانية جميلة تعتبر كالتحف التي تقدم كهدايا للأعزاء والأحباء , وسرت وكان ورائي أبو الحارث ومعه إبراهيم على جواد وأما حذيفة فقد بقي على حصانه وقد تأخر عنا قليلا , وبدأت الشمس تلم أذيالها وتودعنا وانتشر الظلام وأرخى الليل سدوله , وبدأ البرد يزداد حدة ووقفنا وصلينا المغرب مع الأفغان وجمعنا معه العشاء والأفغان يظنون أننا نصلي سنة المغرب , لأن الجمع بين الصلاتين عمل غريب في نظر الأفغان لأن المذهب الحنفي لا يجيز الجمع لا في السفر ولا في الحضر الا في الحج بين الظهر والعصر في عرفة جمع تقديم وبين المغرب والعشاء جمع تأخير في المزدلفه , وحتى هذا الجمع إنما يعتبر لدى الحنفية من مناسك الحج 0 ولذا فإننا لا نجرؤ أن نجمع أمامهم لا في السفر ولا في الخوف والخظر 0

قضية مهمة :

إن مراعاة المذهب الحنفي من قبل المجاهدين العرب أمر ضروري وشرط أساسي لنجاحهم داخل أفغانستان , ولا يمكن للعربي أن يصل الى قلب الأفغاني الا إذا احترم دينه ,والدين في ذهن الافغاني متمثل في المذهب الحنفي فمن خالفه فإنما يخالف الإسلام نفسه , وأي عربي يخالف المذهب الحنفي فإنما هو وهابي , والوهابية في نظر الأفغاني العامي إنما هي طائفة من الطوائف الضالة الخارجة عن الملة الإسلامية كالنصيرية والقاديانية والدروز والأسماعيلية , ولقد عملت عوامل كثيرة على تعميق هذه النظرة تجاه الوهابية وهذه العوامل ذات جذور تاريخية تمتد قرونا 000 على رأسها :

1- الخلاف بين الدولة العثمانية وبين الوهابية, والدولة العثمانية لها إحترام كبير في نفوس الهنود والباكستانين والأفغان لأنها دولة الخلافة ومنارة الأسلام 0

2- الإعلام البريطاني الذي مكث فترة طويلة يعمق هذا الشرخ ويزيد هذه الهوة ولا زالت إذاعة بي 0 بي 0سي تبث سمومها يوميا لهدم الثقة بين العرب والأفغان 0

3- الصوفية التي كان لها سيطرة على نسبة من الناس

4- الشيعة وهؤلاء سواء في إيران أو في داخل أفغانستان لازالوا يضربون بمعاولهم ويحاولون أن يهدموا الصلة بين العرب والمسلمين في أفغانستان وباكستان وغيرها 0

ولأجل هذا كله فقد كنا نرجو الأخوة العرب أن يتركوا بعض هيئات الصلاة المخالفة للمذهب الحنفي وفي هذا فتاوى كثيرة من العلماء وعلى رأسهم الامام أحمد بن حنبل والامام مالك وابن تيمية 0

أما ابن تيمية فقد كتب رسالة خاصة بهذا الموضوع اسمها (اختلاف الأمة في العبادة)ونص في كثير من المواضع في مجموع الفتاوى على هذه القاعدة الشرعية العظيمة وهي : المصلحة , وخلاصتها إذا كانت بعض المندوبات أوالسنن تثير الفتن وتورث الحزازات في القلوب وتؤدي الى الأختلاف وفساد ذات البين فالأولى تركها لأن محبة المسلمين واجبة وائتلاف المسلمين فرض , والهيئات مندوبات والفرض مقدم على المندوب باتفاق الأمة 0

وقد نص الامام ابن تيمية على هذا في أماكن كثيرة 0

1-في الفتاوى الكبرى (خمسة مجلدات) مجلد 1ص (831-141) .2- في مجموع الفتاوي (73 مجلدا) في أماكن كثيرة 00في آخر المجلد الأول حين سئل عن القيام 0

والترجيح بين المصالح يحتاج الى علم شرعي وعقل ونضوج بحيث تكون الأصول التشريعية واضحة في ذهن من يفتي في هذه القضية وكذلك المعرفة بأرض الواقع الذي يفتي له ورحم الله ابن تيمية إذ يقول :(وأمور الجهاد إنما يستفتى به من له علم بالدين الصحيح وعلى معرفة بما عليه أهل الدنيا)0

ولقد واجهنا بسبب هذه القضية معارضة كبيرة من بعض الشباب المتحمس لتطبيق السنة دون معرفة بقواعد الشرع وأصوله أو دون معرفة بواقع الحال في داخل أفغانستان وحساسية هذا الموضوع بالنسبة للشعب الأفغاني 0

شهر بين العمالقة · الصفحة ٣٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شهر بين العمالقةص ٣٨