وجميع ما ذكرنا يقتضي القطع بتعديلهم ، ولا يحتاجون مع تعديل اللّه ورسوله لهم إلى تعديل أحد من النّاس ، ونقل ابن حجر عن الخطيب في « الكفاية » أنّه لو لم يرد من اللّه ورسوله فيهم شيء ممّا ذكرناه لأوجبت الحال الّتي كانوا عليها من الهجرة ، والجهاد ، ونصرة الإسلام ، وبذل المهج والأموال ، وقتل الآباء ، والأبناء ، والمناصحة في الدّين ، وقوّة الإيمان واليقين : القطع بتعديلهم ، والاعتقاد بنزاهتهم ، وأنّهم كافّةً أفضل من جميع الخالفين بعدهم والمعدّلين الّذين يجيئون من بعدهم ، ثمّ قال : هذا مذهب كافّة العلماء ، ومن يعتمد قوله ، وروى بسنده إلى أبي زرعة الرّازيّ قال : « إذا رأيت الرّجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فاعلم أنّه زنديق » ، ذلك أنّ الرّسول صلى الله عليه وسلم حقّ ، والقرآن حقّ ، وما جاء به حقّ، وإنّما أدّى إلينا ذلك كلّه الصّحابة ، وهؤلاء يريدون أن يجرّحوا شهودنا ، ليبطلوا الكتاب والسّنّة، والجرح بهم أولى ، وهم زنادقة . ... 8
«إنكار صحبة من ثبتت صحبته بنصّ القرآن» ... 8
7 - اتّفق الفقهاء على تكفير من أنكر صحبة أبي بكر - رضي الله عنه - لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم . لما فيه من تكذيب قوله تعالى : « إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا » . ... 8
واختلفوا في تكفير من أنكر صحبة غيره من الخلفاء الرّاشدين ، كعمر ، وعثمان ، وعليّ - رضي الله عنهم - فنصّ الشّافعيّة : على أنّ من أنكر صحبة سائر الصّحابة غير أبي بكر لا يكفر بهذا الإنكار . ... 8
وهو مفهوم مذهب المالكيّة ، وهو مقتضى قول الحنفيّة . ... 8
وقال الحنابلة : يكفر لتكذيبه النّبيّ صلى الله عليه وسلم ، ولأنّه يعرفها العامّ ، والخاصّ ، وانعقد الإجماع على ذلك ، فنافي صحبة أحدهم ، أو كلّهم مكذّب للنّبيّ صلى الله عليه وسلم . ... 8
«سبّ الصّحابة» ... 8
8 - من سبّ الصّحابة ، أو واحداً منهم ، فإن نسب إليهم ما لا يقدح في عدالتهم ، أو في دينهم بأن يصف بعضهم ببخل ، أو جبن ، أو قلّة علم ، أو عدم الزّهد ، ونحو ذلك ، فلا يكفر باتّفاق الفقهاء ، ولكنّه يستحقّ التّأديب . ... 9
أمّا إن رماهم بما يقدح في دينهم أو عدالتهم كقذفهم : فقد اتّفق الفقهاء على تكفير من قذف الصّدّيقة بنت الصّدّيق : عائشة - رضي الله عنهما - زوج النّبيّ صلى الله عليه وسلم بما برّأها اللّه منه ، لأنّه مكذّب لنصّ القرآن . ... 9
أمّا بقيّة الصّحابة فقد اختلفوا في تكفير من سبّهم ، فقال الجمهور : لا يكفر بسبّ أحد الصّحابة ، ولو عائشة بغير ما برّأها اللّه منه ويكفر بتكفير جميع الصّحابة أو القول بأنّ الصّحابة ارتدّوا جميعاً بعد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم أو أنّهم فسقوا ، لأنّ ذلك تكذيب لما نصّ عليه القرآن في غير موضع من الرّضا عنهم ، والثّناء عليهم ، وأنّ مضمون هذه المقالة : أنّ نقلة الكتاب ، والسّنّة كفّار ، أو فسقة ، وأنّ هذه الأمّة الّتي هي خير أمّة أخرجت ، وخيرها القرن الأوّل كان عامّتهم كفّاراً ، أو فسّاقاً ، ومضمون هذا : أنّ هذه الأمّة شرّ الأمم ، وأنّ سابقيها هم أشرارها ، وكفر من يقول هذا ممّا علم من الدّين بالضّرورة . ... 9
وجاء في فتاوى قاضيخان : يجب إكفار من كفّر عثمان ، أو عليّاً ، أو طلحة ، أو عائشة ، وكذا من يسبّ الشّيخين أو يلعنهما . ... 9
وفي الموسوعة الفقهية أيضا :1 -45 كاملة - (ج 2 / ص 4885) ... 9
عدالة الصحابة ... 9
12 - قال السّيوطيّ : الصّحابة كلّهم عدول ، من لابس الفتن وغيرهم بإجماع من يعتدّ به قال تعالى : «وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطَاً» أي عدولاً ، وقال تعالى : «كُنْتُمْ خَيرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ» والخطاب فيها للموجودين حينئذ ، وقال صلى الله عليه وسلم : « خير النّاس قرني » . ... 9
قال إمام الحرمين : والسّبب في عدم الفحص عن عدالتهم : أنّهم حملة الشّريعة ، فلو ثبت توقّف في روايتهم لانحصرت الشّريعة على عصره صلى الله عليه وسلم ولمّا استرسلت على سائر الأعصار ، وقيل : يجب البحث عن عدالتهم مطلقاً ، وقيل : بعد وقوع الفتن. ... 9
وقالت المعتزلة : عدول إلا من قاتل عليّاً ، وقيل : إذا انفرد ، وقيل : إلا المقاتِل والمقاتَل ، وهذا كلّه ليس بصواب إحساناً للظّنّ بهم وحملاً لهم في ذلك على الاجتهاد المأجور فيه كلّ منهم. ... 10
وقال المازريّ في شرح البرهان : لسنا نعني بقولنا : الصّحابة عدول ' كلّ من رآه صلى الله عليه وسلم يوما ما أو زاره لماما ، أو اجتمع به لغرض وانصرف ، وإنّما نعني به الّذين لازموه وعزّروه ونصروه. ... 10