ويخرج بقيد الإيمان : من لقيه كافراً وإن أسلم فيما بعد ، إن لم يجتمع به مرّةً أخرى بعد الإيمان، كما يخرج بقيد الموت على الإيمان : من ارتدّ عن الإسلام بعد صحبة النّبيّ صلى الله عليه وسلم ومات على الرّدّة فلا يعدّ صحابيّاً . ... 6
وهل يشترط التّمييز عند الرّؤية ؟ منهم من اشترط ذلك ومنهم من لم يشترط ذلك . ... 6
قال ابن حجر في فتح الباري : بعد أن توقّف في ذلك « وعمل من صنّف في الصّحابة يدلّ على الثّاني » أي : عدم اشتراط التّمييز . ... 6
وقال بعضهم : لا يستحقّ اسم الصّحبة ، ولا يعدّ في الصّحابة إلاّ من أقام مع النّبيّ صلى الله عليه وسلم سنةً فصاعداً ، أو غزا معه غزوةً فصاعداً ، حكي هذا عن سعيد بن المسيّب ، وقال ابن الصّلاح : هذا إن صحّ : طريقة الأصوليّين . ... 6
وقيل : يشترط في صحّة الصّحبة : طول الاجتماع والرّواية عنه معاً ، وقيل : يشترط أحدهما ، وقيل : يشترط الغزو معه ، أو مضيّ سنة على الاجتماع ، وقال أصحاب هذا القول : لأنّ لصحبة النّبيّ صلى الله عليه وسلم شرفاً عظيماً لا ينال إلاّ باجتماع طويل يظهر فيه الخلق المطبوع عليه الشّخص ، كالغزو المشتمل على السّفر الّذي هو قطعة من العذاب ، والسّنة المشتملة على الفصول الأربعة الّتي يختلف فيها المزاج . ... 6
«طرق إثبات الصّحبة» ... 6
5 - الصّحبة تثبت بطرق : منها : ... 6
أ - التّواتر بأنّه صحابيّ . ... 6
ب - ثمّ الاستفاضة ، والشّهرة ، القاصرة عن التّواتر . ... 6
ج - ثمّ بأن يروى عن أحد من الصّحابة أنّ فلاناً له صحبة ، أو عن أحد التّابعين بناءً على قبول التّزكية عن واحد . ... 6
د - ثمّ بأن يقول هو إذا كان ثابت العدالة والمعاصرة : أنا صحابيّ ، أمّا الشّرط الأوّل : وهو العدالة فجزم به الآمديّ وغيره ، لأنّ قوله : أنا صحابيّ ، قبل ثبوت عدالته يلزم من قبول قوله : إثبات عدالته ، لأنّ الصّحابة كلّهم عدول فيصير بمنزلة قول القائل : أنا عدل ، وذلك لا يقبل . وأمّا الشّرط الثّاني : وهو المعاصرة فيعتبر بمضيّ مائة سنة وعشر سنين من هجرة النّبيّ صلى الله عليه وسلم ، لقوله صلى الله عليه وسلم في آخر عمره لأصحابه : « أرأيتكم ليلتكم هذه ؟ فإنّ على رأس مائة سنة منها لا يبقى ممّن هو على ظهر الأرض أحد » . ... 6
وزاد مسلم من حديث جابر : « أنّ ذلك كان قبل موته صلى الله عليه وسلم بشهر » . ... 7
«عدالة من ثبتت صحبته» ... 7
6 - اتّفق أهل السّنّة : على أنّ جميع الصّحابة عدول ، ولم يخالف في ذلك إلاّ شذوذ من المبتدعة . ... 7
وهذه الخصّيصة للصّحابة بأسرهم ، ولا يسأل عن عدالة أحد منهم ، بل ذلك أمر مفروغ منه ، لكونهم على الإطلاق معدّلين بتعديل اللّه لهم وإخباره عن طهارتهم ، واختياره لهم بنصوص القرآن ، قال تعالى : « كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ » الآية . ... 7
قيل : اتّفق المفسّرون على أنّ الآية واردة في أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ... 7
وقال عزّ من قائل : « وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ » . ... 7
وقال تعالى : « مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ » الآية . ... 7
وفي نصوص السّنّة الشّاهدة بذلك كثرة ، منها حديث : أبي سعيد المتّفق على صحّته : أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : « لا تسبّوا أصحابي فوالّذي نفسي بيده لو أنّ أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما أدرك مدّ أحدهم ، ولا نصيفه » . ... 7
وقال صلى الله عليه وسلم : « اللّه ، اللّه في أصحابي لا تتّخذوهم غرضاً بعدي ، فمن أحبّهم فبحبّي أحبّهم ، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم ، ومن آذاهم فقد أذاني ، ومن أذاني فقد أذى اللّه، ومن آذى اللّه فيوشك أن يأخذه » . ... 7
قال ابن الصّلاح : ثمّ إنّ الأمّة مجمعة على تعديل جميع الصّحابة ، ومن لابس الفتن منهم فكذلك، بإجماع العلماء الّذين يعتدّ بهم في الإجماع ، إحساناً للظّنّ بهم ، ونظراً إلى ما تمهّد لهم من المآثر ، وكأنّ اللّه سبحانه وتعالى أتاح الإجماع على ذلك لكونهم نقلة الشّريعة . ... 7