ويبقى الحكم لي برا وبحرا
ويصفى خاطري بعد الكدورا
وأمر التبع بدق الطبل النحاس «الرجوح» وهو من أعظم الطبول، وكان يدقه عشرة من العبيد الفحول، وهو من صنعة ملوك التباعنة العظام.
واجتمع تحت إمرته - كأجاممنون وهو في طريقه إلى حرب طروادة - عشرة ملوك أو «قياقل» بجيوشهم الجرارة، ونصب الملك حسان - ملك اليمن وما يتبعها - إلى الملك «الصحصاح بن حسان» مكانه، وقصد هو بجيوشه - البرية والبحرية هذه - إلى «بلاد الحبش والسودان»، وما إن وصلوها حتى أرسل وزيرا بألف فارس ليعلم واليه وابن أخته الملك الرعيني بقدومه ويطالبه بإمداد الجيش؛ حيث إنه في طريقه إلى الشام، آمرا ملوكه العشرة أن «ينقسموا إلى قسمين: ميمنة وميسرة، متملكين ما يقابلهم من مدن بحد السيف المهند، حتى ملكوا أكثر البلاد وأطاعتهم العباد.»
إلى أن تملك بلاد الشام، فأحاط بها من جميع الجوانب بالمواكب والكتائب.
وواضح أن تملك دمشق - الذي كان واليها من قبل الملك ربيعة سيد عرب الشمال العدنانيين القيسيين ويدعى زيد بن علام - قد تم برا، بمعنى أن الغزوة لسوريا عامة - كانت بحرية - ألف سفينة، إلا أن اقتحام عاصمة القيسيين - دمشق - جاء برا.
2
وأقول هذا ردا على الدكتور لويس عوض الذي خلال تعرضه بالدراسة لهذه الملحمة أو السيرة العربية العريقة التي خلفتها الحضارات العربية اليمنية في عدن وسبأ وحضرموت.
والذي افترض أنها سيرة أو ملحمة مترجمة مستندا إلى مغالطة الحصار البحري لدمشق قائلا: «وبالتالي فحديث الملحمة عن «ألف مركب» يجهزها الوزير نبهان - أو نهبان - لغزو الشام ضرب في المحال، ولا تفسير لها إلا أن يكون النص مقتبسا محرفا بما يناسب ضرورات التعريب، وهذا ما يضع الملك حسان في وضع أجا ممنون غازي طروادة.»
وهو - كما يتضح - رأي متسرع انفعالي، يستدعي التوقف للتعرف على مجاهل كلا التراث الأسطوري التاريخي للحضارة البحرية اليمنية خاصة في عدن وحضرموت، والذين اقتحموا البحار والمحيطات منذ أقدم العصور مطلع الألف الثانية ق.م، حتى أطلق عليهم بحق «فينيقيو البحر الجنوبي».
صحيح أنه تاريخ أسطوري قائم على أشلاء سير وملاحم مندثرة مثله مثل هذه السيرة «المهلهل أو الزير سالم» والتي وصلتنا كحلقة من رحم سيرة أم هي - بدورها - مندثرة لهذا الملك التبع حسان وأبيه التبع أسعد، كما سيجيء ذكر تباعنة اليمن في هذه السيرة التاريخية الأسطورية التي تبدأ أحداثها بفتوحات بحرية لمعظم غرب آسيا أو الشرق الأدنى القديم، عاصمته دمشق. •••
المهم أنه لم يهدأ للتبع الغازي حسان اليماني بال إلا عندما استولت جيوشه البحرية الجرارة على الشام والحجاز وفلسطين، واستقدم الملك عرب الشمال القيسيين العدنانيين «ربيعة المعظم» والد كليب والزير سالم الذي كان قد رفض المثول بين يديه، وأمر حراسه بإلقاء القبض عليه «ومن معه من بني قيس الطناجير وقيدوهم في الجنازير»، وشنقه وصلبه على بوابات دمشق.
وابتدأ بتقسيم الإمبراطورية إلى عدة فرق، ولى عليها من استسلم له من أمراء القيسيين، وأولهم الأمير «مرة» والد جساس مغتال كليب الذي جعله على الفرقة الأولى «يسكن مع قومه في نواحي بيروت وبعلبك والبقاع.» وجعل الأمير عبس واليه على فلسطين وبلاد السرو وعباد وهي مملكة النبطيين أو العرب الأنباط الأردنيين.
ويلاحظ أن الأردن بالفعل يكثر بها أشجار السرو إلى أيامنا، كما يلاحظ أن الأنباط العرب ما تزال تتواتر حولهم عديد من المأثورات والأمثلة الفولكلورية حول النبط أو النبطة، والقول بأن فلان نبطي أو مثل النبطة، بمعنى أنه إنسان صلب قوي لا يقهر ولا يلين أو ينكسر، كما أن من خصائصهم المأثورية الفولكلورية: الحنكة والشطارة.
كما أقام التبع الغازي حسان واليه الأمير المسمى عدنان على الفرقة الثالثة «وأن يقيم في العراق بتلك المنازل والآفاق.»