وهكذا استتب للتبع اليماني المقام بعد أن شتت بني قيس وقادتهم في البراري والتلال، ودام له الحال ثلاثين سنة «تهاديه الملوك الأكاسرة وتهابه الملوك القياصرة.»
فبنى قصرا مرتفع البنيان وجعل أبوابه من الفضة والذهب، بناه له بناء فرعون مصر الشهير الذي تحتفظ الملحمة باسمه «الريان»، الذي تجمع معظم المصادر العربية الكلاسيكية على الاحتفاظ باسمه هذا، وهو فرعون إبراهيم في مصر، بما يشير إلى افتراض أن هذه الأحداث وقعت متعاصرة على وجه التقريب مع مطلع الألف الثانية ق.م؛ أي منذ حوالي 38 قرنا كما سيتضح.
وتكتمل مأساة هذا التبع المتجبر الذي يربط البعض بينه وبين ملك الملوك «أجا ممنون»؛ نتيجة لمصرعه واغتياله على يد عروسته المغتصبة الجليلة بنت مرة - ليلة عرسه الدامي - وعشيقها أو خطيبها أو زوجها الأمير كليب، وما نتج عن هذا الاغتيال الدامي من اندلاع ألسنة لهب حرب البسوس الشهيرة التي ستطالعنا، والتي امتدت تحت تأثير النزعات القبلية والثأرية لمدة أربعين عاما، كما تذكر نصوص هذه السيرة من فولكلورية وتقليدية.
والتي هي - بالتحديد هذه الحروب - الموضوع الجوهري لسيرة الزير سالم، وإحدى حلقات هذه السيرة المهمشة التي اندثر جزؤها الأسبق عن حياة وحروب ذلك التبع اليمني القحطاني حسان اليماني؛ حروبه ومآثره وشعره عالي الهامة، وتجبره كطاغية قبائلي، وزير نساء يتزوج كل ليلة بعذراء كشهريار.
فما إن سمع الملك حسان أن للأمير مرة - واليه على بيروت والبقاع - بنتا فاضلة جميلة تدعى جليلة، مخطوبة لابن عمها كليب بن ربيعة الذي سبق له - أي الملك حسان - قتل والده الملك ربيعة حتى رغب في الزواج منها.
وهنا أسقط في يد الحبيب أو الخطيب القيسي «كليب»، إلى أن نصحه أحد الكهان «العابد نعمان» أن يلجأ إلى الحيلة والاغتيال فيتظاهر بالرضا متخفيا في زي مهرج أو بهلول الأميرة جليلة، حتى ينفذ إلى القصر برفقة مائة فارس مختبئين داخل صناديق جهازها وكنوزها، فجعل بكل صندوق طابقين، طابق يحتوي كنوز الجليلة أو الزوجة المخطوفة أو المغتصبة، وطابق اختفى فيه فارس شجاع بكامل سلاحه وعدته.
3
ونفذ كليب بن مرة كل هذا باتفاق الجليلة وقبيلتها وأبيها بالطبع، بما يعني استعدادهم المتآمر لاغتيال وقتال التبع - على المستوى القومي - في كل من سوريا ولبنان والأردن وفلسطين.
وهكذا أعطى الكاهن نعمان - أو عمران - سيفا خشبيا لكليب، وتقلد هو بسيفه الفعلي تحت ملابسه، وأرخى له سوالف طوالا من أذناب الكبش والبغال، وركب قطعة قصب، وحمل دبوسا من خشب، ولبس فروا من جلود الثعالب والذئاب، ومضى يقود زمام قافلة الجليلة أمام فرسان القبيلة، وعندما تساءل وزير الملك حسان - المسمى نبهان - عنه أجابوه بأنه مهرج الجليلة بنت مرة، واسمه «قشمر بن غرة».
وهكذا تنكر الأمير «كليب» الذي يشير اسمه - وكذا موطنه - إلى أنه كان كلبيا، أي منتميا - طوطميا - إلى قبائل كالب.
وكالب كانت خليطا قبائليا ساميا تسكن فلسطين والبوادي الأدومية منذ مطلع الألف الثانية قبل الميلاد كما ذكرنا، ومنهم ملوك أدمة أو أدماء ما بين الأردن وبادية الشام، ومن أسمائها: كالب وكليب وبنو كلب وبنو كلاب، وكلاب بن وبرة بن صعصعة ... إلخ، وجريا على عادة الملاحم والسير العربية في احتفاظها بموروثات العقل القدري الغيبي، لجأ التبع حسان وحاشيته إلى الرمل وضاربيه لمعرفة أمر صناديق الجليلة المئة قبيل دخولها باحة قصر الملك، وأشار أول رمال إلى الخديعة، أما ثاني ضاربة ودع أو رمل - وكان اسمها «حجلان» - فقد تمكن القيسيون من رشوها «بثلاث بدلات حرير»، فقررت مساعدتهم على اغتيال التبع الطاغية، فدخلت على الملك والرمل بين يديها واصفة محاسن الجليلة وفتنتها: