قال الراوي: «وكان ربيعة في ذلك الزمان من كبار أمراء العربان، وكان أخوه مرة من الأمراء والأعيان، وكانا يحكمان على قبيلتين من العرب؛ وهما: بكر وتغلب، وولد لربيعة خمسة أولاد مثل الأقمار، وهم: كليب الأسد الكرار، وسالم البطل الشهير الملقب بالزير، وعدي ودرعان وغيرهم من الشجعان.»
كما كان لربيعة «بنت جميلة الطباع تعارك الأسود والسباع، اسمها أسمى وتلقب بضباع.»
وأما أخوه الأمير مرة فله - بدوره - عدة أبناء شجعان منهم: همام وسلطان وجساس وبنت نبيلة يقال لها: «الجليلة»، وكعادة الزواج القبائل المتبادل بين أبناء العمومة، تزوج الأمير كليب الجليلة، وتزوج الأمير همام بأخته الضباع.
وإذا ما انتهينا من البنية القرابية القبائلية - التي ستطالعنا كثيرا من سيرة الأنساب هذه - نعود إلى الملك التبع المغير حسان اليماني.
| الملك التبع حسان اليماني
ولن يقدر لنا ويحق تفهم أبعاد هذه السيرة الملحمة دون إلمامة لتراث الشق الثاني المهاجر الفاتح للشام وفلسطين، وهم العرب القحطانيون اليمنيون بقيادة ملكهم المتجبر «حسان اليماني»، وفي إطار هذا التاريخ الأسطوري أو الذي يزاوج التاريخ فيه الأساطير والخرافات، والذي يلقي عدم تحققه اليقيني الحفري كثيرا من غموض الظلال على أحداثه وسيره وتراثه الضارب في القدم والعراقة لملوكه الذين جابوا العالم القديم، وخلفوا آثارهم وهجراتهم القارية في الهند وفارس والصين والتبت، والذين كان يحلو للواحد منهم القول: «قد دعتني نفسي أن أنطح الصين»، وهكذا يمضي مفتتحا الصين ومجاهل إفريقيا، ومنهم هذا الملك التبع الذي أفنى قبائل وحضارات بأكملها، والذي يظل يتمثل فيه أقصى تمثل لأنموذج شخصية «المستبد العادل» أو الطاغية المنصف على المستوى الاجتماعي السياسي لليوتوبيا العربية والإسلامية بخاصة، المتواترة على طول التاريخ السياسي والاجتماعي ربما إلى أيامنا.
ويلاحظ جيدا أنه - أي هذا التبع حسان اليماني - يجيئنا في نفس هذه الملحمة الزير سالم مهاجرا من ملحمة أو سيرة سابقة قائمة بذاتها تحمل اسمه «التبع حسان اليماني»، أشار إليها الكثيرون من الكتاب الكلاسيكيين العرب، وصادفتني موتيفاتها ومأثوراتها خلال سنوات جمعي الشفهي لهذا التراث، بل إن الكثير من موتيفاتها ومأثوراتها ومواقفها أو أشعارها الإنشادية ومواويلها، الذي ينسب الكثير منه لحسان اليماني - أو تبع حسان اليماني - ما يزال يواصل تواتره في ثنايا الشعر والفابيولات الفولكلورية، خاصة تلك المأثورات التي تدور حول أبيه «تبع أسعد» أو أخته «البسوس» أو ابنته تدمر أو ملكة تدمر التي أصبحت - بدورها - مدنا وحضارات، ونسب له
1
الهمداني الكثير من النصوص والقبوريات.
كما تنسب له الملحمة أنه كان شديد البأس مهيب القامة، لا يعرف الحلال من الحرام، لا يحفظ العهد والزمام، وكان يحب النساء الملاح والمزاح، وفي كل ليلة يتزوج بصبية من أبناء الملوك، ويشرب المدام في الليل والنهار.
وذات يوم سأل وزيره «نبهان»: هل يوجد من هو أعظم مني في الأرض؟ فأجابه الوزير: «يوجد خارج البحار عرب من أهل الشجاعة، يقال لهم: بنو قيس، وهم من أولاد مضر.»
وكان أن صرخ مقررا الحرب وتملك ديارهم في الشام وفلسطين منشدا:
يقول التبع اليمني المسمى
بحسان فما للقول زورا
ملكت الأرض غصبا واقتدارا
وصرت على ملوك الأرض سورا
وطاعتني الممالك والقبائل
وفرسان المعامع والنمورا
وقد أخبرت عن بطل عنيد
شديد البأس جبارا جسورا
وقالوا: إنه يدعى ربيعة
أمير قد حوى مدنا ودورا
تولى الأرض في طول وعرض
فكم أخرب وكم شيد قصورا
فقصدي اليوم أغزوه بجيشي
وأترك أرضه قفرا وبورا
أسير بهم إلى تلك الأراضي
وأملك للقلاع والقصورا
ويغنم عسكري منهم مكاسب
وأعطيهم بنات كالبدورا