فيلاحظ أن ليلى أو ليليث أو إناثا الكنعانية الفلسطينية ذات المنبت السومري اللا سامي، التي دخلت التراث العربي والإسلامي فيما بعد على هيئة «تجريد» للأنثى أو حواء الأولى، هي بذاتها التي تسمى بها الزير سالم «أبو ليلى»، وذلك بعد أن تخلت عن خصائصها الشيطانية الأولى، واكتست مسحة شعائرية مصاحبة لأغاني التخمير والزار؛ حيث كثيرا ما تتبدى جميلة وكثيرا «ما تصبح مغنية» و«راقصة عارية» تغوي الرجال النائمين الفرادى أو العزاب غير المتزوجين، مثل بطلنا هذا الزير سالم، الذي يرجح أنه كان - وظل - أعزب في مجمل النصوص والذاكرة الجمعية الشعبية العربية.
يضاف إلى هذا أن هذه الإلهة التي تحدد عمرها بأكثر من خمسة آلاف عام «ليليث» أو ليلى «إناثا» الكنعانية الفلسطينية، من خصائصها أنها تتبدى خارقة ليليلة معطية لمن تخاويهم أو تعاشرهم أو تتعشقهم، يضاف إليه ارتباطها بالشعر والغناء والوحدة، وكلها كانت من خصال بطلنا الشعبي العربي الفلسطيني المنشأ، والذي ربما أضافت دراسات الأجيال القادمة لسيرته الملحمية هذه ما يبقي على افتراضاتنا، وأخصها أنه الإله الشمسي المحلي لكلتا بلدتي: «بئر سبع» والقدس قبل إنشائهما أورشليم الذي نرجح أنه هو الذي أعطاها اسمه الفلسطيني، وأنه لعب أكبر الأدوار في كلا التراثين العربي والعبري، بخاصة أكثر في فابيولات شمشون الإله الشمسي الفلسطيني.
وما هذا سوى مدخل أو مبحث لسيرته في إطار السمات القومية لفولكلورنا العربي.
| القسمات الطوطمية لسيرة الزير سالم
وإذا ما برأت هذه السيرة - الملحمة - الزير سالم من الوقوع في براثن عوالم الجن والمردة والكائنات الخرافية ومنفراتهم وخوارقهم، فإنها استسلمت من جانب ثان للسمات والخصائص الطوطمية الواضحة القسمات، والتي تحكمت بدورها بالبنية القرابية؛ من قبائلية وعشائرية ومبادلاتها، للزواج والانتساب والتسمية، وجميعها هنا تخضع للتحكم الطوطمي، من حيوان لطير لنبات لزواحف، من جمال ونوق وحمير وكلاب وسباع وضباع ويمام وحمام وبوم وهكذا.
من ذلك تسمية أبطالها: كليب وكلبة أو جروة وابنه بالفعل الملقب بجرو أو الجرو، وتلقيبه بأبي اليمامة، ويمامة أو حمامة التي كانت سببا في اشتعال حرب البسوس المسماة سراب الملك كليب المنيع في العالية أو عالية، وكسرت له بيضة لحمامة أو يمامة أو قنبرة
1 (أم قويق) كان قد أجارها في حماه.
وعلى عادة مصاحبة معظم الطواطم للحكايات والمأثورات الشارحة، تذكر المصادر الأدبية العربية بخاصة لكليب أنه كان يطوف حماه المنيع ذاك، فشاهد قنبرة على بيض لها، وعندما رأته طارت فابتعد عنها، إلى أن عاودت الرقاد على بيضها، فأنشد لها مؤنسا هذه الأبيات التي تواترت من شاعر جاهلي لآخر، ومنهم طرفة بن العبد:
يا لك من قنبرة بمحجر
خلا لك الجو فبيضي واصفري
ونقري ما شئت أن تنقري
لا ترهبي خوفا ولا تستنكري
فأنت جاري من صروف الحذر
إلى بلوغ يومك المقدر
فعلى هذا النحو الساذج الذي يرد في فابيولات الحيوان والنبات والحشرات الطوطمية، اندلعت حرب الأربعين عاما المعروفة، حين اجتاحت ناقة البسوس حمى كليب، وكسرت له بيضة قنبرته أو بومته هذه، فكانت الحروب التي ألهبتها البسوس، والتي هي في حد ذاتها - البسوس - ما هي إلا طوطم أو مزار كهنوتي بأسمائها المتعددة ومنها الهيلة.
كذلك تسمية ضباع أو الضباع أخت الزير سالم والملك كليب، والمتزوجة من الأمير همام، صديق الزير وصفيه، والذي كان لها شأن في هذه الملحمة مع أخيها الزير الذي قتل ابنها «شيبان»، وكان قد فضل الانضمام إلى قبيلة خاله الزير سالم بدلا من قبيلته الأبوية، ومضى يثير همم قبيلته الجديدة لأمه؛ انتقاما ودفاعا عن خاله كليب ضد - من - أهله وعشيرته، حتى إن الزير سالم فاض غضبه منه، فكان أن قطع رأسه ووضعها في جراب حصانه الذي عاد به إلى قبيلته، وما إن خرجت أمه ضباع ووضعت يدها في جراب حصانه حتى تلقت رأس ابنها الذبيح «شيبان».