تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبالقطع هذه أول فكرة تاريخية أو حفرية عن سكنى العفاريت الخرائب.

ومع انتقال تراث السومريين إلى خلفائهم وورثتهم البابليين - الذين عرفوا بالأكاديين نسبة إلى أكدو عاصمتهم - انتقلت فكرة الشيطانة ليليث إليهم، وليليث كلمة بابلية أشورية، ومعناها أنثى العفريت أو الريح، كما أنها ذكرت مرة أخرى في إحدى القصائد الجلجاميشية البابلية حوالي 2000ق.م، وتحول هذا اللفظ بعد ذلك من ليليث إلى ليل، وهي ما أصبحت تظهر ليلا، وعرفت بالجنية ليل، تسكن الأماكن الخربة وموارد المياه، وتظهر كخارقة ليليلة يغطي الشعر كل جسدها العاري في الفولكلور السامي المتواتر اليوم بعامة.

ويبدو أن الليليث أو ليلى السومرية هذه - 3 آلاف عام ق.م - هي نفسها التي أصبحت تصادفنا في الشعر والأغاني الشعبية: يا ليل يا عين. كما أن الليليث - أو ليلى كما أشرنا - توجد بكثرة في الأغاني الدينية الشعبية المعروفة بأغاني التخمير والزار.

وهكذا تسمى بها شاعرنا المقاتل الزير سالم فتصدرت اسمه في كل النصوص الفصحى والعامية «أبو ليلى».

ويبدو أن العبريين كانوا قد أخذوها عن الفلسطينيين الذين سبقوهم في استيطان فلسطين، فليليث في اللغة الكنعانية أو الفينيقية معناها إناثا أو إناث، ومفردها أنثى، وهي ما تتوحد مع عشترت، خاصة في طقوس العرس المختلط.

ولقد اعتقد الملك سليمان في أن بلقيس - ملكة سبأ - ما هي إلا ليليث؛ نظرا لأن جسدها كان مغطى بالشعر، فلما نظر سليمان إلى شعر ساقيها، ورأى جسمها أحسن جسم، صرف وجهه عن ساقيها للشعر،

4

وكان أن وضع لها سليمان - بمعاونة مردته بعد ذلك من الجن - الخلطة التي تزيل الشعر، وهي ما عرفه النساء بعد ذلك حين ينزعن أو ينتفن شعرهن بالحلوى.

أما عن فكرة توحد حواء بالحية التي تتوحد بدورها بالشيطان، فتتبدى بكثرة في أغلب أساطير الخلق السامية.

ففي أغلب الأساطير والشفاهيات العربية خاصة يغوي الشيطان المرأة زوجة الإله أو البطل، مثلما حدث حين تسلطت الجليلة - زوجة الأخ الأكبر كليب - ضد الزير سالم الذي كان دائم القول «بأن أهل العقل لا تسمع لأنثى»، ومثلما حدث مع زوجة نوح حين مكنته من تخريب الفلك ثلاث مرات.

وتشير بعض أساطير الخلق العبرية أن أول صراع نشب بين آدم وحواء الأنثى أو ناثا أو ليلى الأولى هذه، وجاء بسبب استياء حواء من وضع المضاجعة «لما حتم علي الاضطجاع إلى جانبك»، فمن أخص خصائص الليليث - أو ليلى هذه - إغراء ومخاواة الرجال النائمين الفرادى، بل ومضاجعتهم، وقد يصل الأمر إلى حد قتلهم بمص دمائهم ونهش أجسادهم، ولعل في هذا أول تصور عن النداهات،

5

وترجع بذوره الأولى إلى الألف الثانية ق.م عند الكنعانيين الشوام من سوريين وأردنيين وفلسطينيين.

ومن أساطير الخلق الأولى، اكتملت المعتقدات التي ما تزال شائعة حول أضرار الشيطانات - الليليث - والأرواح الخفية بالأطفال الحديثي الولادة، فكان من المتبع رسم دائرة سوداء على حائط حجرة العرس، يكتب داخلها: «آدم وحواء» اغربي يا ليليث. أما عندما تتمكن الليليث أو ليلى من الاقتراب من الطفل الوليد، فإنها تشغف به حبا، وفي هذه الحالة ينبه الطفل بوضع أصبعه في فمه.

وفي القرن الرابع عشر الميلادي وحد «هيرونيموس» بين الليليث أو ليلى الساميلاة واللاميا اليانانية، واللاميا أميرة ليبية هجرها الإله زيوس بعد أن سرقت أطفال زوجته هيرا، فكان أن واصلت انتقاماتها بسرقة زوجات الآخرين من أزواجهم، واللاميا تغوي الرجال الفرادى النائمين، فتمتص دماءهم وتلتهم لحمهم، وهي ما أصبحت في تراثنا الفولكلوري النداهة والسلعوة، وفي الرسوم الحائطية الهليلنية صورت اللاميا وهي تفترس أحد المسافرين وهو مضطجع على ظهره ... مثلها في هذا مثل سابقتها الرسوم الحائطية الكنعانية السورية التي ترجع إلى ما قبل القرن الرابع عشر ق.م، والتي تصور الإلهة العارية إناثا - أي الأنثى أو الليليث أو ليلى - طائرة في الهواء، لامسة مقبلة عشيقها النائم الإله «موت»، وفي صورة حائطية أخرى يبدو موت - أو آدم الكنعاني - يحفر تحت الضلع السادس لآدم الكنعاني؛ ليخلق ليليث أو ليلى أو حواء الأولى هذه.

الزير سالم: أبو ليلى المهلهل · الصفحة ٥٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الزير سالم: أبو ليلى المهلهلص ٥٧