تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهنا ظلت ضباع متربصة لحظة الانتقام من أخيها الزير، إلى أن وضعته بتابوت أو كفن، وألقت به في الماء أو البحر كإيزيس وأم موسى.

والمعروف أن الضبع كان من حيوانات الجزيرة العربية، كما يقال: إن ضباع هذه اسمها الحقيقي «أسمى»، ويبدو أن ضباع أو الضباع كان شعارها أو اسمها الطوطمي، كما تذكر المأثورات الفولكلورية الشفاهية التي ما تزال تتواتر شفاهيا أنها كانت - كأخيها الزير سالم - تعارك وتصارع الأسود والسباع.

فلعل التسميات الطوطمية الحيوانية التي تصادفنا في هذه السيرة وغيرها تتراوح ما بين ضباع كليب أبي اليمامة، وكذا الحمامة أو اليمامة وزرقاء اليمامة، بالإضافة إلى التسميات اليمنية الحميرية الموغلة من الطوطمية؛ منها انتساب إحدى ملكاتهم: بلقيس ملكة سبأ، أو شيبا (سباع)، وكان حيوانها أو طائرها الطوطمي المقدس هو الهدهد، الذي صاحب رحلتها الشهيرة إلى أرض فلسطين مع الملك سليمان، وكانت تلقب ببلقيس بنت الهدهاد.

فالملاحظ هنا أن الدين الطوطمي لا يستهدف التمثيل بالحيوانات القوية دون غيرها، فالملك كليب الذي كان يحكم «من أرض الروم للكعبة»، كان يسمى بأبي اليمامة، وحيوانه أو طائره هنا اليمامة وبيضتها، وكذا بلقيس الإمبراطورة اليمنية المحاربة وطائرها الهدهد الذي اتخذته لقبا.

فقد يتمثل الحيوان أو الشعار الطوطمي في تملكه لقدرة خارقة حرم منها الإنسان حتى الملوك والتباعنة، فالطائر يطير في أعماق السماء، وعلى رأسه ريشة، وهي ما صارت مثلا في التعالي والتجبر، كما أن الحيات والثعابين تملك قدرات تغيير جلدها وإطالة أعمارها، بالإضافة لقدرات لدغتها القاتلة.

وهناك أقوام طوطمية تنتمي للأسماك السلمون والحيتان والتونة التي تمتلك قدرات الغوص في أعماق مياه البحار والمحيطات.

وما أكثر الأقوام والكيانات والقبائل الطوطمية التي شهدها تاريخ منطقتنا العربية وتنتمي للحشرات، مثل حضارات ديدان وسوسة في إيران وتونس وما بين النهرين، والقدرات الخارقة - محشرة - السوس من أحد الجوانب، وهو أنه يفني أعتى الأخشاب الصلدة مثلما يحفل به الشعر الشعبي:

لعبت يا سوس في الصندل وخشب الزان،

وبحت بالسر يا سوس وخليت المخبي يبان.

كما أنه ما أكثر الطواطم النباتية في منطقتنا العربية، من نخل وجميز وعوسج ويقطين أو قرع، والأخير كان النبات الطوطمي المقدس للنبي يونس، حين نبتت عليه شجرة قرع وتبنته إلى أن كبر بعد أن أمضى عقابه داخل بطن الحوت، إلى أن لفظه على الشاطئ «كالطفل المنفوث» أو حديث الولادة.

وقد يرد تساؤل على النحو التالي: لماذا الحيوان أو النبات وارتباطهما بالدين الطوطمي؟ والإجابة: إنهما - أي الحيوان والنبات - يمدان الإنسان بطعامه، والاحتياج للطعام يستوجب المكان أو الحما أو الوطن، وهذا هو ما يتطلب الحماية والأمن، بالإضافة لعديد من الاحتياجات والتعاطفات الأخرى، وهذا بدوره أفضى إلى التحالفات العشائرية القبائلية لاتحاد مجموعة من الطواطم حيوانية ونباتية تنتهي في الشعار الأهم للقبيلة أو مجموع العشائر من زاحفة ومهاجرة ومغيرة، مثلما هو الحال في معظم سيرنا وملاحمنا العربية التي عادة ما تكون مهاجرة ومغيرة.

وخلاصة القول: إن الحيوان والنبات يشكلان رابطة أو علاقة بين الإنسان البدائي والطبيعة؛ لذا تحفل حكايات ومأثورات الحيوان والنبات الطوطمية بأخص خصائص الحيوان أو الأشجار أو الزواحف المقدسة، ولعل الحكاية أو المأثور الأمثل المصاحب لتسمية كليب أو الكلبيين أو قبائل بني كلب المتفرقة في الجنوب العربي والشام والأردن وفلسطين والمصاحبة لمأثورات كلبه أو جروه، ونباحه الذي كان يحدد حماه المنيع أينما نزل كليب أرضا أو كلأ.

فكانت القبيلة وأسلافها والأرض التي تعيش عليها وما يتحكم فيها من عوامل مناخية واجتماعية وحدة تنحدر من الطوطم السلف الأب، سواء أكان حية أو نعامة أو حمامة أو كلبا أو جملا أو جرادا أو ديدانا أو بيضة أو حوتا.

الزير سالم: أبو ليلى المهلهل · الصفحة ٥٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الزير سالم: أبو ليلى المهلهلص ٥٩