تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولعلني أعني ما أقول؛ فإن ذلك الشاعر الفاجع المهلهل كان أكبر القوى الشعرية بالغة الأثر على مدى الأزمان التي مرت بلغتنا وفولكلورنا العربي، وبخاصة جانبه الشعري، ما تزال محفوظة تعيش متواترة إلى أيامنا، وقد جمعت له بذاتي (شوقي عبد الحكيم) - خاصة ما يتصل بمربعات ومثمنات الشعر الشفهي الفولكلوري - آلافا مؤلفة من مواويل المراثي وأشعار التوجع، والموثبات أو الأشعار التحريضية والبكائيات الذاتية.

يأمل مؤلف هذا المدخل البحثي - في إطار الأدب الأنثروبولوجي - أن تتاح له إمكانية نشرها، ومقارنتها بما ينسب إلى المهلهل من مراثي ومعلقات الشعر العربي الكلاسيكي.

فيبدو أن أبو ليلى المهلهل في آخر أيامه ضاق بعجزه ووحدته، فطلب من ابن أخيه الملك الجرو أو الهجرس أن «يسوح متنزها في البلاد»، فأعطاه الملك هودجا وعبدين يحرسانه ولوازم سفره، فخرج سائحا، وما زال يجول في البلاد إلى أن هد كاهل عبديه، وكان قد وصل بهما تجواله - كما يذكر النص العامي - بلاد الصعيد، فصمما على قتله ودفنه ثم يعودان إلى أهله، ويخبرانهما بأن أبا ليلى المهلهل أدركته المنية.

ويبدو أن الزير أدرك غرضهما وما ينويان، فطلب منهما الحرص على إبلاغ أمنيته الوحيدة ووصيته إلى أهله، وعاهدهما فأقسما، فأنشد عليهما بيتا وحيدا من الشعر:

من مبلغ الأقوام أن مهلهلا

لله دركما ودر أبيكما

وكرره عليهما إلى أن دخل الليل فذبحاه ودفناه ورجعا إلى ديارهما، ودخلا على سيدهما الجرو فأبلغاه بموت عمه أبي ليلى المهلهل، فبكى وطالبهما بوصيته.

وما إن أنشد العبدان وصيته أو بيت شعره الوحيد على مشهد من الملك الجرو واليمامة وعلية القوم؛ لطمت اليمامة ومزقت ثيابها صارخة بأن عمها لا يقول أبياتا ناقصة أو مهلهلة، وأنه قتيل مغتال، أراد أن يقول:

من مبلغ الأقوام أن مهلهلا

أضحى قتيلا في الفلاة مجندلا

لله دركما ودر أبيكما

لا يبرح العبدان حتى يقتلا

ثم أنهما قبضوا على العبدين، ووضعوهما تحت العذاب إلى أن أقرا بما أشارت به اليمامة التي رجحنا - فيما سبق - قدرتها الخارقة على البصيرة والتنبؤ - ككاسندرا - وعلاقتها الطوطمية بأبيها كليب؛ حيث إنه تسمى بها، وظلت على طول هذا النص في موقع كاهنة أو إلهة قبلية أم تتصدر المحاربين وتقودهم على طول حرب البسوس، ويستشيرها الزير سالم في الحرب والهدنة، وحين تخالفه يخضع لإرادتها بصرامة لا يغفلها النص مثلما مر بنا حينما زارتها أمها الجليلة وتوسلت إليها بطلب هدنة، فوافق الزير ورفضت اليمامة، فكان أن تجددت الحرب لسنوات طويلة.

إلا أن ما بقي علينا مغلقا - لم يقاربه البحث - هو تسمية الزير سالم بأبي ليلى المهلهل، وهي تسمية لم ترد لصاحبتها ليلى ذكر على طول مختلف نصوص السيرة ومأثوراتها المتعددة من فصحى لعامية، صحيح أن النصوص والفابيولات الكلاسيكية تحفظ له اسم ابنة وحيدة تدعى «سليمى» لم يخبرنا أي نص من أين جاء بها المهلهل، سوى أنه سافر أو هاجر بها يوما ملتجئا أو مستجيرا بقبائل بني مذحج باليمن، وأقام لديهم فخطبوا - أو هم زوجوا سلمى أو سليمى ابنته الدخيلة هذه - ابنة المهلهل لأحد أبناء مذحج قسرا، إلا أن أعداءه قبائل بكر غضبوا وقتلوا زوجها، بل والغريب أنهم هم أعداؤه الذين أرجعوا له ابنته.

وهي بالقطع حكايات ومأثورات جانبية - ولنقل: جاهلية فصحى - دخيلة لم تخبرنا بها أي من النصوص الفولكلورية الشعبية، التي إن حفظت للمهلهل ابنة أو تسمية أو شعارا فهو تسميته على طول السيرة ب «الزير سالم أبو ليلى المهلهل»، ومن هنا يرد اسم الإلهة ليلى هذه في الأشعار الشفاهية الفولكلورية ذات الطابع الشعائري الديني؛ من مربعات قصيرة تتصل بالأوراد والإنشاد الصوفي الديني وأغاني التخمير والزار، بل هم يطلقون على «ليلى» هذه مسميات طقسية متعددة؛ كأن يسموها بابنة الزار، أو عروسة السهران، وينسبون لها خوارق ومعجزات إلى أيامنا؛ ذلك أني تنبهت لدورها الأسطوري هذا فجمعت بها بضع مئات من أغانيها وأهازيجها الشعائرية منذ عام 1953م، وهي مقطوعات شعرية أقرب إلى المربعات وأغاني الحنين والبكائيات الذاتية أو الندب:

الزير سالم: أبو ليلى المهلهل · الصفحة ٥٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الزير سالم: أبو ليلى المهلهلص ٥٥