تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهكذا نصب الجرو ملكا على فرش كليب، وتسلط على كل القبائل، وخلعت بنات كليب السواد، واستقبلنهن بالأناشيد البعثية:

صار كليب في وسط الحياة

كليب قام من وسط المقابر

ولا تكف هذه السيرة عن العودة بنا إلى متاهات الأنساب العربية؛

4

حيث إن الجرو تزوج بثلاثة، ولدن له ولدين، سمي الواحد تغلب، والثاني مالك، ما إن كبرا حتى زوجهما بشقيقتين من بنات «الأمير هلال حاكم حماه».

وهكذا تعرج بنا هذه السيرة إلى أخرى تالية لبني هلال وأنسابهم، فما إن أنجب مالك بن الجرو بنتا أسماها «مي»، حتى زوجها بالأوس ابن أخيه، إلى أن وضعت امرأة الأوس بدورها غلاما سموه «عامرا»، ربما انتسابا إلى قبائل بني عامر بفلسطين بالقرب من حيفا، التي ما كان يروق للزير سالم الانتساب لها.

5

كما إن هذه السيرة - ذات الجذور الضاربة العربية الفلسطينية - ما تفتأ تشير إلى شتاتاتهم حتى في خلفائها بني هلال وسيرتهم على النحو التالي:

فحين كبر عامر تزوج بامرأة من أشراف العرب، فولدت له غلاما في نفس الليلة التي مات فيها جده الجرو، فدعاه «هلال» وهو جد بني هلال، ولما كبر هلال تزوج وأنجب المنذر، واتفق أن الأمير هلال نزل مكة مع رجاله أيام ظهور النبي محمد، وتشرف بمقابلة النبي وقبله بين عينيه، وصار من أعوانه، فأمر النبي أن ينزل الأمير هلال في وادي العباس، فلما كان النبي يحارب بعض العشائر قاتل معه هلال ورجاله، ورأت فاطمة الزهراء هول المعركة فجنحت بجملها لتبتعد عن حومة القتال، فشرد بها في البراري والفلوات، فدعت على الذي كان السبب بالبلاء والشتات، فقال لها أبوها: «ادعي لهم بالانتصار؛ فإنهم بنو هلال الأخيار، وهم لنا في جملة الأحباب والأنصار، فنفذت فيهم دعوتها بالتشتيت والنصر على طول الدهر.»

ويلاحظ أن هذه الأسماء تشير إلى رءوس قبائل - خاصة الأوس - رأس الأنصار من «الأوس والخزرج »، كما يلاحظ عبر قصة استطرادية ترد في آخر هذه السيرة أنها فابيولا مهاجرة من بالاد، مفتقدة عن «الأوس ومي» التي اغتصبها أحد ملوك اليمن واسمه الصنديد، وكافح الأوس طويلا كما حدث مع جده كليب في استرداد الجليلة من التبع اليمني، إلى أن استرد مي الجميلة تلك.

وهكذا تستدرجنا السيرة في آخر فصولها حول فروعها وبطونها القبائلية دون ذكر يذكر لبطلها الزير سالم أبو ليلى المهلهل، الذي عاود منفاه ووحدته وعجزه، تمهيدا لاغتياله ودفنه في صعيد مصر، كأوزوريس المدفون بالعرابة المدفونة، مع ملاحظة تسمية «العرابة» والعرب ربما منذ مطلع الدولة القديمة في مصر العربية.

| اغتيال الزير سالم في صعيد مصر

أما الزير سالم،

1

ذلك البطل الشعبي أبو ليلى المهلهل، فإنه ما إن انتهى من قتل جساس، وفرض ذلك الاستسلام المتجبر المهين على أعدائه البكريين؛ حتى أسلم عرش كليب لابنه الجرو، وظل وحيدا لم يتزوج، ولا نعرف له ذرية كما يخبرنا النص الشعبي الفولكلوري - برغم تسميته بأبو ليلى - وهو ما سنتناوله في هذا الباب الأخير.

فالزير سالم انتهى نهاية غريبة، منعكفا في منفاه الاختياري ببئر سبع يقيم «في الخيام، ويشرب المدام، وينام وهو لابس آلة الحرب والصدام»، وكما يصفه النص العامي: «أضناه الدهر وضعفت قواه، وظل على تلك الحال إلى أن برزت له أسنان، وصار عقله مثل عقل الولد.»

فالملفت أن المهلهل هو الشخصية الوحيدة التي تتبدى غريبة هائمة على طول هذه السيرة الملحمة، الذي هو بطلها المحجب، قاتل السباع الذي لا يقهر.

وعلى هذا النحو - أو التمثيل - تختفي النصوص الفولكلورية العامية به كبطل خارق مكتمل الصفات، يزخر بالمعاناة والأحاسيس الجياشة والإنشاد التراجيدي العميق، الذي لا يفصح عنه سوى المراثي والموال الأحمر:

إن في الصدر من كليب شجونا

هاجسات منه الجراحا

الزير سالم: أبو ليلى المهلهل · الصفحة ٥٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الزير سالم: أبو ليلى المهلهلص ٥٤