وما إن ذاع صيت الجرو بعد أن كبر وأصبح قبيلة، حتى أرسل إليه خاله جساس، فصالحه هو وأمه الجليلة، وطالبه بعدم التخلي عن قبيلته في محنتها، مفهما إياه ومضللا أن له ثأرا عند الزير سالم الذي سبق له أن قتل أباه غيلة:
أنا أبكي على المرحوم أبيك
قتله الزير في ربعك وحيك
وعلى هذا نجح جساس - بموالسة الجليلة - من إخفاء الأمر على الجرو، وإعطائه حصانه «الأخرج»، ودفعه إلى الحرب والتصدي لقتل عمه المهلهل؛ دفاعا عن ثأر أبيه كليب الذي يحارب الزير بدوره من أجله.
بمعنى أن كليهما - الزير والجرو - يحارب الآخر؛ دفاعا وأخذا لذات الثأر - ولنقل: لذات الطوطم السلف كليب - الذي واصل - كما يذكر النص - البعث بأشعاره وموثباته ومواجعه من القبر إضراما لنيران الأخذ بثأره من جساس مغتاله، يقول كليب:
عظمي ذاب حتى صار كحلا
وجساس بن مرة في الحياة
تنام الليل كله يا مهلهل
وثأري ما قدرت على وفاه
فينشد الزير مجيبا على قبره:
أمير كليب ما قصرت يوما
بأخذ الثأر م القوم البغاه
فقم واسأل بناتك يا حبيبي
على طعني وفعلي في العداه
فتجيبه بناته كمثل كورس وأولهن اليمامة:
يقولون اليتامى يا مهلهل
أتانا كليب يستنجد أخاه
كليب قام من وسط المقابر
وصار كليب في وسط الحياة
فدفاعا عن ذات الجرو - أو السلف المغتال - التقى المحاربان؛ الزير والجرو بن كليب، ويبدو أن الجرو أو الهجرس كان عاتيا في منازلته لعمه الزير ، لدرجة جعلت كليهما في ساحة الحرب والنزال يتوجس من الآخر، فكان أن دقت طبول الانفصال، وعاد الزير مشتتا مثقلا يستفسر من اليمامة وبنات كليب عن هذا الغلام الذي له عزم كالصخر منشدا:
يقول الزير أبو ليلى المهلهل
مريع الخيل أن قصدت إلينا
يمامة اسمعي مني كلاما
أيا ست الملاح المحسنينا
برزت اليوم للميدان حتى
أقاتل آل مرة أجمعينا
فبارزني غلام غريب منهم
له عزم كما الصخر المتينا
كمثل أباكم وجها وحربا
فذكرني ليالي الماضيينا
فقد قاتلته في كل لطف
ويطعنني طعان القاتلينا
فحملاته وطعناته قوية
تقد الصخر والزرد المتينا
وكان أن أشارت اليمامة بمنازلته هي و«ملاعبته» بلعبة كانت تلاعب بها أباها كليبا - التفاحات والسهم - وذلك بأن تضربه بأربع تفاحات وترى كيف يتصرف.
وهكذا نازلته هذه القائدة الكاهنة القمرية اليمامة التي أصبحت مدنا، بل إليها وإلى مدنها انتسبت القبائل الكلبية، أو بنو كليب، الذين كان لهم - حتى مجيء الإسلام - دولة بمدينة أو مدن اليمامة تعرف باليمامة، كما يذكر القلقشندي.
وكانت وسيلة التعارف بالتفاحات والسهام عند اليونان، كما يوجد في «أوديسا» هوميروس، هي الوسيلة التي عرفت بها بنيولب عودة زوجها المتنكر الغائب أوليس (أوديسيوس) إلى قصره بإيثاكا في زي سائل، ولعلها موتيفة نقلت إلى ابنه تلمياك من بعده بخيال الرواة، وهذا ليس بعيدا كل البعد عما نحن فيه من أحداث، فقد كان أوديسوس المخاطر والبطل اليوناني في غزو طروادة، هو صاحب حيلة حصان طرواة الشهيرة التي تمكن عن طريقها الإغريق من التسلسل إلى داخل أسوارها بعد أن أعياهم حصارها عشر سنوات.
وكليب - كما رأينا - هو صاحب حيلة الخيل حاملة الرماة في الصناديق التي بها استطاع بنو قيس وكالب عرب للشمال أن يتسللوا داخل أسوار قلعة التبع حسان اليماني وحاضرة ملكه دمشق، التي جاءها التبع محاصرا وغازيا.
وهكذا نازلته في اليوم التالي اليمامة، قائلة: أنا أقاتلك اليوم دون المهلهل.
وحين تصرف الأمير هجرس مع تفاحاتها الأربع بنفس شارات أبيها، تعرفته وكفته عن مقاتلته واحتضنته، وأخبرته بأنه ابن أمها الجليلة وأبيها كليب، وأن عمه الزير سالم الذي ينوي مقاتلته «فارس الخيل من عجم وعربان.»
1
وهكذا رجع الهجرس متوجسا إلى أمه الجليلة - كمثل أوريست - ينوي قتلها إن هي كتمت عنه حقيقته، فأنشدت الجليلة باكية: