ولما رآه المهلهل مجندلا ندم وتحسر، وأنشد أعظم مراثيه الطبقية الثورية التي كان لها أكبر التأثير وأرسخه في الشعر الشعبي الفولكلوري - خاصة الموال الأحمر - على امتداد الوطن العربي؛ حيث يقول: «المال يبني بيوتا لا عماد لها»، وإن «العز بالسيف ليس العز بالمال»، والتي فيها يواصل دوره كبطل شعبي ثوري حتى في تصديه للنسب والأنساب التي تصل في تلك الأيام وإلى أيامنا إلى حد التقديس حين يقول: «العم من أنت مغمور بنعمته، والخال من كنت من أضراره خالي»:
الزير أنشد شعرا من ضمايره
العز بالسيف ليس العز بالمال
شيبون أرسل نار الحرب يطلبني
يريد حربي وقتلي دون أبطالي
نصحته عن قتالي لم يطاوعني
بارزته فهوى للأرض بالحال
المال يبني بيوتا لا عماد لها
والفقر يهدم بيوتا سقفها عالي
دع المقادير تجري في أعنتها
ولا تبيتن إلا خالي البال
ما بين لحظة عين وانتفاضتها
يغير الله من حال إلى حال
فكن مع الناس كالميزان معتدلا
ولا تقولن ذا عمي وذا خالي
العم من أنت مغمور بنعمته
والخال من كنت من أضراره خالي
لا يقطع الرأس إلا من يركبه
ولا ترد المنايا كثرة المال
واكتملت فاجعة هذه الأسرة «الضباعية» نسبة إلى الضباع أخت الزير سالم التي سبق أن كفنته في تابوته، وألقت به في البحر بدلا من أن تحرقه بالنار كما ادعت على قومها - قبيلة زوجها - أنها أحرقته، فكانت رحلته العبورية الغامضة تلك إلى ميناء حيفا ومملكة حكمون.
وصلت مأساة هذه الأسرة إلى ذروتها بقتل الزير سالم لصديقه وصفيه وصهره الأمير همام، حين نازله انتقاما لولديه؛ شيبان وشيبون.
ولعلنا في فصلنا التالي بإزاء ما يعرف عادة في نهاية كل سيرة عربية أو ملحمة قوامها الهجرة والإغارات والحروب القبائلية لحضارات شرقنا العربي، لعلنا بإزاء ما يعرف ب «الأيتام»، أو عصر الأيتام للأجيال المنتقمة التي أودت بآبائها وأسلافها تلك الحروب الطاحنة القبلية.
وها نحن بإزاء الأمير جرو ابن الملك المغتال كليب، الذي سمته أمه الجليلة بالهجرس بعد أن أخفته عن العيون حتى إخوته البنات السبع ومنهن اليمامة.
| الجرو بن كليب المسمى بالفارس الهجرس
ويمكن إعادة تذكر سلسلة المكائد التي لفقتها الجليلة زوجة الأخ الأكبر الملك كليب هي وقبيلتها ضد الزير سالم؛ لكي تهدمه وتقضي عليه، والتي اكتملت بإحضار الزير سالم لها بوصفه «لبان اللبؤة»؛ لكي تحمل وتجيء الملك كليب بابن ملكه المترامي.
يبدو أن الوصفة - الأحبولة الأخيرة - نجحت عقب مصرع كليب على يد أخيها المغتال الأمير جساس، وولدت الجليلة خفية عن العيون ابنا أسمته الهجرس، ولقبته قبيلتها التي عادت إليها وتربى في كنفها باسم «الجرو»، يذكر النص أن جساسا أحبه إلا أنه كان يخافه، ويخشى سطوته وشره، حيث إن جساس خاله هو قاتل أبيه كليب، وهو الوحيد - بعد الجليلة أمه - الذي يعرف حقيقته التي أخفيت عنه؛ ذلك أن الجرو ما إن اشتد ساعده وتبدت قدراته الخارقة حتى اصطدم بأبناء أخواله، فكان أن أخذته أمه الجليلة، وهاجرت به ذات ليلة قاطعة البراري والقفار، متخذة هيئة الأمهات النساء أو الجواري المضطهدات، كما لو كانت الربة إيزيس، تجاهد عبر أعشاب الدلتا في إخفاء طفلها - المنتقم بدوره لأبيه المغتال - حورس، وكهاجر زوجة الخليل مع إسماعيل إلى أن حطت رحالها بابنها نواحي الحجاز ومكة عند أمير مهيب يدعى «منجد بن وائل»، الذي كرمه بين العرب الشماليين ونصبه أميرا، وزوجه ابنته الفاتنة «بدر»، ومنجد بن وائل هذا يتوحد مع أستروفيوس أمير فوكيس الذي عنده كليمنسترا وعشيقها إيجيست ابنها أوريست عقب رحيل «ملك الملوك» أجا ممنون إلى حرب طروادة لكي يخلو لها وعشيقها الجو في آرجوس.
بالإضافة إلى أن سيرتنا هذه تحفظ للجرو أو الهجرس أنه صد غزوا من بعض ملوك العرب المغيرين «في ثمانين ألف عنان» عن بلاد منجد بن وائل «وفعل فعالا تبقى وتذكر ما دام الشمس والقمر.»