كمثل السبع في صدمات قوم
أقلبهم شمالا مع يمينا
فدوسي يا يمامة فوق رأسي
على شاشي إذا كنا نسينا
فإن دارت رحانا مع رحاهم
طحناهم وكنا الطاحنينا
أقاتلهم على ظهر مهر
أبو حجلان مطلوق اليمينا
فشدي يا يمامة المهر شدي
واكسي ظهره السرح المتينا
وهاتي حربتي رطلين وأزود
وحطيها على عدد متينا
ونادي على «عدية» وكل قومي
صناديد الحروب المانعينا
ونادي إخوتي يأتوا سريعا
لنلقى جيش بكر أجمعينا
فنادتهم أتوا كأسود غاب
وقالوا: قد أتينا يا أخينا
وباتوا يحرسون الليل كله
وقضوا الليل كله شاهرينا
| عبدة السلف
وهكذا تجددت الحروب بين القبيلتين سنتين كاملتين،
1
وكان الزير يحصد فيهم بالنهار والليل إلى أن قطع رءوس قتلاهم ووضعها في المخازن.
2
ولما اشتدت على جساس وقومه الأهوال والزير يرفض كل وساطاتهم وفدياتهم لإيقاف القتال أو حتى قبول الهدنة.
وكان أن لجأ جساس إلى حيلة تكشف - بوضوح - عن مدى سلفية تلك القبائل؛ ذلك أن الزير سالم دأب على المرور على زيارة قبر أخيه كليب وإعلامه بأخبار الحرب وعدد قتلى مغتاليه، سائلا إياه: هل اكتفيت يا أخي؟
وهنا توصل جساس إلى حيلة لإيقاف الحرب ونزيف الدم عن قومه؛ بأن وضع رجلا معدما داخل قبر كليب، حتى إذا سأله الزير سالم يجيبه: اكتفيت يا أخي، فأغمد سيفك عن قتال القوم.
وعليه فما إن مر الزير سالم بقبر كليب حسب عادته وناداه بصوت عال: «نعمت صباحا يا أخي كليب.»
حتى أجابه الرجل المختبئ داخل القبر: «وأنت نعمت صباحا يا أخي الحنون، يا ساقي الضد كأس المنون.»
ولما سمع الزير أخيه فرح ونزل عن فرسه متقدما نحو القبر قائلا: «أنت حي يا أخي ونحن نقاسي الضنك والضير »، ثم نزل إلى القبر قائلا: إن كنت بخير يا أبا اليمامة، فما هذه الإقامة؟
إلى أن واجه الزير رجل جساس المختبئ سأله مندهشا: من يكون؟ وهو يجذبه من لحيته تأهبا لقتله، لكن حين استجار الرجل بكليب أجاره الزير وعفا عنه.
ولما سمع منه حيلته صفح عنه وأعطاه جوادا وألف دينار من الذهب، وخرج من القبر ضاحكا مرحا قائلا: «يحمي اليوم كليب الخائف في مماته كما كان في حياته.»
فتتضح السلفية كسمة مفرطة في التبدي والتواجد في هذه السيرة ممثلة في رأس كليب الذي أصبح سلفا - في موقع آدم - عنده لدى تلك القبائل الكلبية، من عبدة بالفعل جثمان آدم
Adam
المشتق اسمه السامي من أرض أدوم
Edom
أو الرجل الأحمر.
فكانت قبائل كالب عشائر أدومية، ومنها جاءت تسمية آدم بمعنى الرجل الأحمر، وتوجد إشارات في التلمود إلى أن رأس العيص بن إسحاق - أبي الأدوميين - كانت من انتزاع عيسو أو العيص ودفنها في عبرون.
ويرى البعض أن ثمة علاقة بين القبة الحمراء التي كانت تتخذها قبائل قريش وتابعوهم من القبائل المعروفة بالأحامسة أو الحمس أو الأحامس أو بنو أحمس، بمعنى المتحمسين لآلهتهم وللكعبة، وتميزوا بتلك القباب الحمر حتى أطلق عليهم أهل القباب الحمر من الأدم.
3
وإذا ما كانت لفظة الأدم تعني أديم الأرض، فقد تشير هنا إلى علاقة بين تابوت العهد أو التابوت الذي به جثمان آدم، بالإضافة إلى رأس العيص بن إسحاق «الرجل الأحمر» - أبي الأدوميين - مما يؤكد أكثر أن تلك القبائل السالفة البائدة قد أورثت لاحقيهم من العرب الفينيقيين الجاهليين عبادة أسلافهم الأول: آدم عند الهاجريين والعبريين، وابنه شيت بن آدم أو أخنوخ أو إدريس
4
عند الصابئة، وإبراهيم عند الحنفاء، وحفيده العيص بن إسحاق عند الأدوميين، وكالب لدى هذه القبائل موضوع بحثنا.
بل إن أحداث الصراعات المتوالية - حول ما يعرف في أساطير الشرق الأدنى القديم بعصا شعيب
5
أو يثرون، يجعل من تلك العصا رمزا سلفيا مرادفا أو متطابقا مع جثمان آدم ورأس العيص بن إسحاق وقباب الخمس.
فيقال عن تلك العصا: «إنها هدية الرب لآدم عقب طرده من جنة عدن، وإنها توارثت من أب لابن، إلى أن وصلت إبراهيم فأورثها ابنه مدين.» •••