فيبدو أن ثمة صراعا قد نشب بين القبائل العربية البادية والباقية، أو بين قبائل جرهم وقبائل إسماعيل أو الهاجريين وبقاياهم إلى اليوم بالسعودية، بنفس ما حدث مع عرب الجنوب القحطانيين وأسلافهم من العرب البائدة: عاد وثمود وطسم، وما حدث مع الكنعانيين والعبريين والعمالقة أو العماليق في ربوع الشام وفلسطين، بمعنى حلول أحقاب تاريخية أو حضارية بحسب تفسير هذا التاريخ الأسطوري التخميني.
ويبدو أن ذاك النزاع بين القبائل البائدة والباقية الذي قد يكون على سبيل التخمين نزاعا ذا طابع حضاري مغرق في القدم، وأنه كان متبوعا بانقلاب أبوي - أي نقل السلطة من الأم إلى الأب - مع بدء المعرفة بالزراعة.
بل إن الصراع على التابوت - أو تابوت العهد - يشير أكثر إلى طبيعة ذلك الصراع، ومعناه أن تلك القبائل السلفية كانت من عبدة جثمان آدم، فيقال: إن الجثمان كان مخبئا في كهف ماكبيلا، وإن قبيلة كالب عبدته.
فيقال: إن قبائل كالب العربية والعبرية كانت تعبد جثمان آدم، وكالب اسم أو هو تحالف لقبائل عربية وعبرية وكنعانية، ومن أسمائها بن كلب بن وبرة، و«بني كلب» بن «ربيعة بن صعصعة» و«الكلبيين» و«كليب» ... إلخ.
كما يقال بأن الأشياء والممتلكات التي كانت قد سرقتها راحيل - أو راشيل أم النبي يوسف الإلهة القمرية الأم لقبيلة يعقوب عقب زواجهما - كان من بينها رأس آدم.
وراشيل - أو الكاهنة الحمامة
6 - هي الإلهة الأم التي من اسمها تواترت تسمية إسرائيل عقب زواج يعقوب برحيل، والتسمي برجل راشيل.
فالسلفية كما يعرفها شيخ المؤرخين أرنولد توينبي بأنها سباحة ضد تيار الزمن والتاريخ، فيبدو أن جدلية الحياة - أو حركة التاريخ اليومية - تدعو إلى تزيين السلفية ومن وجوه عدة، لعل أبسطها جاذبية الرخاء القديم الغابر عند العرب عامة، ممثلة في الإفراط بكاء على الأطلال والزمان المنقضي.
ومن جانب آخر تتمثل السلفية في سحر اللغة ورونقها، ولنقل: سحر عصور وأحقاب بعينها لأزهى عصور منقضية .
كما إن أقصى جاذبيتها تتبدى في الأساطير والتحليق في رومانتيكية العقل الغيبي المضاد والمعادي في ذات الوقت للعقل كهدف أخير للتاريخ.
ويا له من عالم رائع من حيث جمالياته البحتة - عالم الأساطير المكبل بسلطان العادة والتوارث - لدى تلك القبائل المتناحرة دفاعا عن وهم الأسلاف ورممهم!
منذ أساطير خلق العالم والإنسان الأول أو القديم أو الأديم، المصاغ من طين سيرتنا العمق ولازبه، في بؤرة العالم القديم أدوم، وحيث مجرى أحداث سيرتنا الملحمية هذه؛ الزير سالم.
فالسلفية هنا جزء من التصور القبلي، ذلك الذي لا يقف عند الأحياء، بل هو يمتد خلفا في أغوار الماضي التاريخي الأسطوري - خاصة تراثنا العربي السامي - شاملا الموتى قبل الأحياء، فالأرض هي أرض الأسلاف والأجداد، وهو ما لا يزال يشاع بكثرة في أغانينا المعاصرة خاصة في ربع القرن الأخير، كما أن مثل هذا التصور لا يبعد كثيرا عن التصور الطوطمي الإفريقي؛ حيث إن طوطم العشيرة البدائية كان رمزا وشعارا للعشيرة الخالدة، مشتملا على الطوطم السلف والخلف في وحدة شاملة تعبر عنها أساطير وأغاني وأمثولات القبائل البدائية.
ومن هنا فكلا الأحياء والأموات يوجدان الجماعة أو الأمة، مع ملاحظة الانتساب اللغوي إلى الأنثى الأم، بل إن أدنى الوحدات الاجتماعية للأمة أو القبيلة يطلق عليه البطن والفخذ والرحم، مثلما ذكر الزير في مأثوراته «أنه سيضرب بكل عضو من كليب أعداءه»، وكذا استشارته عقب كل غزوة مزار كليب السلف الميت.
ويمكن القول بأن حالة الانجذاب هذه نحو السلفية سماها الكثيرون - بحق - حالة الهستيريا، ومحاولة استحضار الماضي وطبعه على الحاضر، كما هو في حالة هذه القبائل في تعاملها مع رأس كليب، والتي ستتصوره دوما قائما عائدا منبعثا: «من وسط المقابر إلى وسط الحياة.» •••