تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وعلى عادة تردد هذا الموتيف الذي يصادفنا بكثرة مفرطة - في الحكايات والفابيولات الشفاهية الفولكلورية - لملوك يزورهم متنبئهم وكهنتهم، ويخبرونهم بزوال ملكهم وجاههم لفترات محددة، أبرزهم هنا فرعون يوسف في مصر وسنواته السبع العجاف، والملك معروف في سيرته المهشمة التي سبق لي - شوقي عبد الحكيم - معالجتها للمسرح وتقديمها عام 67.

وهكذا وقعت الهدنة بين المتحاربين.

ولا يستنكف النص ذكر حلم أو رؤيا رآها الأمير جساس في السنة السادسة المنحوسة، رأى فيها جملا بثمانية أنياب اقتحم عليه حوض ماء بالقرب من صيوانه، فشرب وشق الحوض بأنيابه

2

فتبدد الماء وهلك قومه من العطش، ثم رأى النساء والأولاد بثياب السواد «والدم جاري مثل المجاري، والجمال تنهش بعضها البعض.»

بما يفسر ندم جساس ومخاوفه، واستحضاره الكابوس لناقة البسوس التي اقتحمت حماه، وتسببت في إقدامه على اغتيال الملك كليب، وما جر عليه وعلى قومه من حروب وبلايا وحمامات دم.

ويخبرنا النص - في آخر السنة السادسة - أن جساسا تمكن من سرقة مهر الزير سالم «الأدهم المدعو بعندم».

لكن ما إن عاد الزير سالم من رحلة صيده الخلوية وافتقد مهره ذاك، عبر حوار شعري يجري بينه وبين اليمامة ابنة أخيه كليب، التي أخبرته بسطو وسرقة خالها جساس للمهر حين غاب الزير في صيده وقنصه عشرين يوما، وكان أن عاود الزير نصب الكمائن، واستخدام الحيل، والتنكر؛ لاسترداد حصان أخيه كليب من مرابط خيل جساس، مصطنعا هيئة أنه يعمل سايسا للخيل التي ستلازمه على طول هذه السيرة: «أنا من بلاد الصعيد، ومهنتي سياسة خيل الأماجيد.»

ومهنة سياسة الخيل هذه دفعت بالدكتور لويس عوض إلى الربط بين اسم المهلهل وهاملت اسم

Hippolytus

والمعنى الكامل للاسم «مروض الخيل»، بالإضافة إلى مشابهة فابيولات هيبوليت وزوجة أبيه فيدرا مع قصة المهلهل مع الجليلة بنت مرة؛ من حيث مطاردتها له ورغبتها في تدميره لصالح قبيلتها بالطبع، وكذا تشابه شخصية هيبوليت وشخصية المهلهل من حيث الفروسية والاعتكاف والخلوص للصيد والطراد.

ومع اختلافنا مع هذا الرأي حول تسمية المهلهل وإحاطته بهالة من التغريب تبعد بنا كثيرا عن روح هذا النص العربي - إن لم نقل: الفلسطيني الفينيقي - استنادا إلى أصوله وأرحامه التراثية الأسطورية التي ولد من رحمها في الشام وفلسطين.

هو ما سنتعرض له في حينه عقب الانتهاء من سرد التتابع الروائي لفصول هذه السيرة، واضطلاع الزير لاسترداد حصانه، ولنقل أقصى معدات حربه، وهي حصان خاصة العربي، الذي تحدثت عنه الإلياذة، حين نادى هكتور جياده العربية قائلا: «تعالوا الآن يا أغر ويا محجل ويا شعلة

3

ويا سني، ولا تنسوا رعاية أندروماك الحسناء لكم.»

فما إن استرد الزير حصانه وقتل آلاف الأبطال ورجع إلى الديار بالعز والانتصار، واستقبلته النساء بالدفوف والمزاهر، إلى أن جاءته أمه التي لا يرد ذكرها كلية في هذا النص إلا في هذا الموقف الذي تطالبه فيه برفع سيفه البتار عن بني مرة؛ فغضب منها وتوعدها بالقتل، بل والملفت في شعره التالي أنه يدعوها - أي أمه أيضا - باليمامة، كما يدعوها في شعره ب «أمية»،

4

حيث سحب سيفه عليها منشدا:

يقول الزير أبو ليلى المهلهل

وقلب الزير قاسي ما يلينا

وإن لان الحديد ما لان قلبي

وقلبي من حديد القاسيينا

تريد أمية أن أصالح

وما تدري بما فعلوه فينا

فسبع سنين قد مرت علي

أبيت الليل مغموما حزينا

أبيت الليل أنعي في كليب

أقول: لعله يأتي إلينا

أتتني بناته تبكي وتنعي

تقول اليوم صرنا حائرينا

فقد غابت عيون أخيك عنا

وخلانا يتامى قاصرينا

وأنت اليوم يا عمي مكانه

وليس لنا بغيرك من معينا

سللت السيف في وجه اليمامة

وقلت لها أمام الحاضرينا

وقلت لها ما تقولي

أنا عمك حماة الخائفينا

الزير سالم: أبو ليلى المهلهل · الصفحة ٤٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الزير سالم: أبو ليلى المهلهلص ٤٠