تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ورماني قتله من كثب

رمية المصمى به المستأصل •••

يشتفي المدرك بالثأر، وفي

دركي ثأري ثكل مثكلي

إنني قاتلة مقتولة

1

ولعل الله أن يرتاح لي!

ثم خرجت حتى لحقت بأهلها.

لكن يستوي في كلا النصين - الفصيح والعامي - وصول خبر مقتل كليب للمهلهل في قصره ببئر سبع، وقولته المأثورة : «اليوم خمر وغدا أمر»، ثم انسحاب صديقه «همام» الأخ الأكبر لمغتال أخيه جساس، ثم تخلي الزير سالم عن كأسه وطاسه، قائلا:

دعيني فما في اليوم مصحى لشارب

ولا في غد آه ما أقرب اليوم من غد

ثم أنشد مرثيته الكبرى، في رثاء أخيه المغتال كليب:

كليب لا خير في الدنيا ومن فيها

إن أنت خليتها فيمن يخليها

وتتفق كلتا النصوص العربية الأدبية والشعبية الفولكلورية في أن المهلهل الزير سالم ظل لفترة كبيرة يعاني التحول أو التبدل من حالة لنقيضها، من الزير الغارق لأمة رأسه في الخمر والنغم والشعر، منعزلا في بئر سبع، للملك الفارس المنتقم لأخيه المغتال غيلة بوادي الحصا والجندل

2

بالشام، وهو يطوف أطراف ملكه وقبائله باكيا نادبا يرثي أخاه ولا يفعل شيئا سوى التحريض على القتال والوعيد، حتى سخرت منه بنو بكر قائلين: «إنما المهلهل نايحة ليس غير.»

وما إن انتبه تردده ذاك - الهاملتي - في حسم موقف الانتقام لأخيه الملك المغتال كليب، حتى توسط منتدى قومه،

3

فجز جدائله المنسدلة مثله مثل الأبطال البهيميين البريين الذين تربوا مع الحيوانات، مثل «أنكيدو» وصنوه المتوحد معه - رأسا لقدم - شمشون.

فحرم اللهو وشرب الخمر والتزين، وأن لا يدهن «حتى أقتل بكل عضو من كليب رجلا من بني بكر بن وائل.»

وهنا يحق لنا التريث أمام مقولة الزير سالم المثكل التي فيها يتوعد قبائل بني بكر بن وائل بأنه سيضربهم بكل عضو من كليب أو قبائل كليب أو الكلبيين أو بني كليب، بما يؤكد أن كالب وكليب قبائل تنتمي إلى التحالف الكنعاني الفينيقي أو البحري من لبنانيين وفلسطينيين وسوريين بأكثر من انتمائهم وسلفهم المغتال كالب إلى شمال الجزيرة العربية في نجد والحجاز، وهو الخلاف الجوهري لموطن وجغرافية هذه السيرة - الملحمة - ما بين معالم نجد والحجاز والمأثورات الفصحى، والشام وفلسطين من النصوص الفولكلورية.

فمما يؤكد العودة بمسرح أحداث هذه السيرة إلى ربوع الشام وفلسطين، وهو - كما أسلفنا القول - ما يتبدى جليا إلى حد وثوقي في نصوصها الشعبية الفولكلورية في مواجهة مأثوراتها المتناثرة العربية أو الفصحى، مع الأخذ في الاعتبار أن التحالف الكالبي الطوطمي البحري للفينيقيين من لبنانيين وفلسطينيين وسوريين، الذين وصلت هجراتهم وفتوحاتهم وشتاتاتهم منذ أقدم العصور مطلع الألف الثانية قبل الميلاد إلى إنجلترا وأيرلندا وبعض دول الشمال الأوروبي عامة، كذلك كان للكلبيين شتاتاتهم وقبائلهم في الجزيرة العربية نجد والحجاز، بالإضافة إلى تواجدهم في مصر حين التقى بهم المؤرخ بليني القرن الثاني ق.م حول بحيرة مريوط، ووصفهم بأنهم أغرب أقوام دينية صادفها.

وقبل العودة إلى أحداث ملحمتنا، أود أن أشير إلى أن مجرى الأحداث المركزية لها، سيعود بالسيرة - عقب مصرع كليب - سيعود بنا أكثر إلى ربوع الشام وفلسطين والأنباط الأردنيين.

فكان أول ضحايا الزير ابن أخته «الضباع»

4

زوجة صديقه الوفي الأمير همام بن مرة، الأخ الأكبر للأمير جساس مغتال الملك كليب.

ذلك أن هذا الشاب اليافع «شيبان» فضل البقاء مع خاله الزير سالم حين ساءت الأمور بين القبيلتين بكر وتغلب متخليا عن أبيه همام وقبيلته، مبقيا على قبيلة خاله، اتساقا مع هذه القبائل الأمومية في الانتماء إلى قبيلة الخال الكلبية أو تقديسها.

ففي محاولة من شيبان الصغير لشحذ قوى خاله الزير سالم في الانتقام من قبيلته - أعمامه - أغضبت الزير سالم، فأمسك بابن أخته وضرب به الأرض حتى مات، فقطع رأسه وأرسله إلى أهله وأخته ضباع على ظهر جواده، الذي سار به إلى أن أوصله إلى قبيلته وأهله، وما إن تلقته أمه الضباع حتى شقت ثيابها ورحلت إلى الزير سالم وقالت: أتقتل ابن أختك بثأر أخيك؟

الزير سالم: أبو ليلى المهلهل · الصفحة ٣٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الزير سالم: أبو ليلى المهلهلص ٣٧