وظلت منذ هذا الحادث الفاجع تضمر لأخيها الزير سالم كل حقد، بل لعل في موقف هذه الأخت الإلهة - الطوطم - ما يجيء سرطانيا مخالفا للنسيج القبائلي المشكل لمجمل هذه السيرة بعاداته وطقوسه، فكيف قدر لضباع - الأخت الثالثة لكليب والزير سالم - الانحياز لقبيلة زوجها القيسية بدلا من قبيلتها التغلبية أو الكلبية، خاصة بعد مصرع أخيها الملك كليب؟
وهو على العكس التام طبعا من موقف الجليلة التي عادت منتمية إلى قبيلتها بدلا من زوجها.
وهو تساؤل نرجئ الإجابة عنه مع توالي أحداث الضباع والزير سالم.
ذلك أن الضباع ما إن استخرجت رأس ابنها شيبون من خارج حصانه، حتى أنشدت تقول مفصحة عن فاجعتها بفقد الأخ والابن:
تقول ضباع يا سالم علامك
بجاه كليب ما سويت بابني
بثأر كليب تقتل ابن أختك
وتحرق مهجتي وتزيد حزني
حزنت على كليب وما جرى له
وحزني في صميم القلب مبني
ولكن قد حكم ربي مراده
وربي ما كتب لي هو يصبني
فأجابها الزير بهذه الأبيات:
يقول الزير من قلب حريق
بقتل كليب زاد اليوم حزني
ألا يا أخت قلي من بكاك
ولا تخشين من أمر يعبني
فوالله ثم والله ثم والله
إله العرش مذ أدعو يجبني
فلا بد لي من حرب الأعادي
وأقتل كل جبار طلبني
وهو - كما يتضح - شعر ركيك أو دخيل، إلا أنه يفصح عن توعد الزير سالم ومعاناته التي صاحبت تحوله المتردد في الانتقام.
والملفت حقا هنا هو ذلك الموقف الذي اتخذته الضباع - الأم - عقب سماعها للزير قاتل ابنها شيبان، وكيف أنها استبشرت بتوعده للحرب فكان أن «زالت عنها لوعتها وخفت الأحزان» عقب سماعها لشعره المتوعد بأخذ الثأر.
وعلى هذا عادت الأم إلى قبيلتها أو قبيلة زوجها همام المعادية، والمطلوب هنا هو بذل الجهد في تصور هذه المواقف القبلية من حيث الانتماء والولاء، ليس فقط على المستوى الجسدي، بل ما يمكن أن يشكل موقفا مع القبيلة وضد الأمومة كما في حالة الضباع هذه، وحالات أخرى مماثلة لها ذات الصعوبة ستطالعنا هنا ونحن بإزاء مقتل كليب الذي يبدع في نثره راوي السيرة، والذي يستشف من نصوصها الشعبية مدى المؤثرات اللهجية السورية والفلسطينية واللبنانية بأكثر من العربية الحجازية أو المصرية.
إن اغتيال كليب يوازي اغتيال سلف أب، مثل اغتيال إله.
وعليه فمن واجبنا هنا التذكير بأننا لسنا بإزاء تصرفات وممارسات ومواقف وعلاقات - بالمفهوم الأنثروبولوجي - بشرية، بقدر ما نحن بإزاء مواقف وعلاقات وممارسات طوطمية أو إلهية؛ ذلك أن معظم الأسماء التي توردها نصوص هذه السيرة المختلفة أسماء لآلهة وأصنام وطواطم عربية أو سامية أو جاهلية بحسب التسميات التلفيقية، سواء أكان كليب أو سالم أو ضباع أو البسوس سعاد مؤنث الإله سعد الصنم الجاهلي البعل سعد، وكذا الجرو، ثم اليمامة التي أصبحت مدنا وقبائل ومواطن.
فاليمامة - بشكل خاص - إذا ما عدنا إلى دورها وأشعارها التحريضية بالثأر لأبيها كليب أبي اليمامة من قبيلة أمها وخالها القاتل جساس؛ حيث تتبدى أنموذجا لإلهات الحرب الإناث القبائلية الأمومية أو القمرية.
5
فاليمامة هي التي اقتحمت على الزير عزلته وأوجاعه وملاطمه بموطنه ببئر سبع، ورجعت به إلى حيث جثة كليب
6
الغارق في دمائه بلا رأس، وذلك بعد أن ارتدى الزير عدة حربه وسار مع اليمامة وأخواتها يقطعون الأرض والفلوات، إلى أن وصلوا دمشق إلى حيث كليب أخوه القتيل، وهو يبكيه: «سلامتك يا أبو اليمامة» وأنشد مرثيته الشهيرة على مرأى من الأم والقبائل التي تبكي كليب، بعد أن أطلعته اليمامة على وصية كليب «المكتوبة على الصخر» فأنشد المهلهل:
كليب لا خير في الدنيا ومن فيها
إن أنت خليتها فيمن يخليها
نعى النعاة كليبا فقلت لهم:
مالت بنا الأرض أم مالت رواسيها
ليت السماء علي من تحتها وقعت
وحالت الأرض فاندكت أعاليها