وراحت تنشد ما عرفه العرب بالموثبات:
لعمري
7
لو أصبحت في دار منقذ
لما ضيم سعد وهو جار لأبياتي!
ولكنني أصبحت في دار غريبة
متى يعد فيها الذئب يعد على شاتي
فيا سعد، لا تغرر بنفسك وارتحل
فإنك في قوم على الجار أموات
ودونك أذوادي إليك، فإنني
محاذرة أن يغدروا ببنياتي
وسر نحو جرم إن جرما أعزة
ولا تك فينا لاهيا بين نسوات
إلى أن طمأنها جساس بن مرة: «أقصري يا خلتاه، فسيقتل غدا جمل أعظم من ناقتك.»
وعلى هذا الحال قتل جساس كليبا ولم يسقه، بل إن وفود الرعاة كانوا يهربون من منظر احتضاره «وكليب يشير إليهم بيده أن يسقوه فلم يسقه أحد حتى مات.»
وعلى هذا فالاختلاف بين النصين - أو النصوص - من عربي أدبي تقليدي أو رسمي تتناثر مأثوراته في تراث الأدب العربي، ومن شعبي فولكلوري عامي من حيث اللغة يتبدى واضحا ليس فقط من حيث اللغة، من فصحى في الحالة الأولى، وعامية ولهجاتها بحسب كل موطن عربي، بل إن هذا الاختلاف يمتد مشتملا أبنية السيرة ذاتها، سواء القرابية القبائلية العشائرية وما يتبعها من تفريعات - أي من رأس لبطن لفخذ - أو حتى بالنسبة للشخصيات وفضائلها.
من ذلك تصوير الأدب العربي الرسمي وتاريخه لموت كليب الذي نفق عطشا، ورفض رعاة البهائم أن يسقوه، والنظر إليه كملك طاغية، ونفس هذا الرفض - ويمكن القول: التشويه - لحق أخاه الزير سالم، وهو على العكس الكامل من جانب المنظور الشعبي الجماعي الفولكلوري خاصة بالنسبة لبطله الشاعر المقاتل الزاهد - بل الأقرب للثورية - الزير سالم - أبو ليلى المهلهل - الذي سيقتلعه مصرع أخيه الملك كليب واغتياله من منفاه وعزلته الاختيارية ببئره بئر سبع بفلسطين.
وتفضح هذه السيرة الملحمية فصولها التالية الرئيسية للزير المحارب ومراثيه الشهيرة في كليب: «كليب لا خير في الدنيا ومن فيها.»
بل إن كليب ذاته حذره في وصاياه العشر أن «لا يصالح» أبدا، والذي تشير رأسه المنتزعة عن جسده المغتال من الظهر إلى توحده برأس «آدم» أبو البشر لدى تلك القبائل الأدومية التي كانت من أقدم عبدة «الجثمان» السلفي لكالب - الأب - المغتال، رأس تلك القبائل الكالبية التي تأكد وثبت تواجدها التاريخي منذ مطلع الألف الثانية ق.م.
| مأساة الجليلة بنت مرة
فبينما يتبدى مصرع كليب كملك أو إله ذبيح ممزق أو معذب، طعن من الظهر غدرا في النصوص الشعبية، يتبدى موته كطاغية يحرم قومه من الماء والكلأ في الأدب العربي الكلاسيكي.
كذلك زوجته الجليلة بنت مرة التي تتبدى شريرة مطاردة منكلة ببطل السيرة وشخصيتها المحورية - الزير سالم - في النصوص الشعبية الفولكلورية مثلها مثل سارة مع إسماعيل، وزوجة الأخ الأكبر في قصة الأخوين الفرعونية، ودليلة مع شمشون الفلسطيني.
فبينما لا يحتفي ويذكر النص العربي الفصيح مكائدها واضطهاداتها للزير سالم، بل هو يصورها - أي الجليلة - وينسب لها أعنف وأصعب المواقف التراجيدية عالية القيمة، التي عرفها الشعر العربي ومعلقاته على الإطلاق.
فعندما ناحت النساء على كليب وخمشن الوجوه ونثرن الشعور وخرجت معهن الجليلة بنت مرة تبكي زوجها ورجلها معهن، فقلن لها: «ابعدي عنا فإنك شامتة، وقد حرضت أخاك على قتل سيدنا.» بكت الجليلة منشدة معبرة عن موقفها الأصعب على طول هذه السيرة:
يا ابنة الأقوام إن لمت فلا
تعجلي باللوم حتى تسألي
فإذا أنت تبينت الذي
يوجب اللوم فلومي واعذلي
وإذا أخت امرئ ليمت على
شفق منها عليه فافعلي •••
جل عندي فعل جساس بنا
غمة للدهر ليست تنجلي
فعل جساس على وجدي به
قاطع ظهري ومدن أجلي
لو بعين فقئت عين سوى
أختها فانفقأت لم أحفل
يا قتيلا قوض الدهر به
سقف بيتي جميعا من عل
هدم البيت الذي استحدثته
وانثنى في هدم بيتي الأول
خصني قتل كليب بلظى
من ورائي ولظى مستقبلي