تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وتركه هاربا مجندلا لعبد البسوس، الذي تقدم منه ليجز رأسه ويعود به إلى سيدته «الهايلة»، فاستمهله كليب حتى يكتب مرثيته الذاتية ووصيته إلى أخيه المهلهل، وأنشد من فؤاد متبول كما يذكر النص الفولكلوري:

يقول كليب من ربيعة

فدمعي فوق خدي كالقناة

جفاني الدهر

3

وأرماني سقيم

فهذا الدهر كم مثلي فناه

خرجت أنا على مهري أسير

فليس معي أنا إلا العصاه

فإذا ابن مرة جاء خلفي

يريد قتلي وإبليس طغاه

ضربته بعصاي فوق ظهره

تقنطر راح من فوق الوطاه

أتى من خلفه عبد غريب

سريعا أركبه وركب حداه

فاستعد وجاني في سرعة

وناره بالحشا زادت لظاه

قال لي دير وجهك يا ابن عمي

يريد الغدر مني بالقناه

فأحكم طعنة في سريعا

وراح جساس هارب بالفلاه

هديت لك هدية يا مهلهل

عشر أبيات تفهمها الذكاه

وأول بيت أقول أستغفر الله

إله العرش لا يعبد سواه

وثاني بيت أقول الملك لله

بسط الأرض ورفع السماء

وثالث بيت توصي باليتامى

واحفظ العهد ولا تنسى سواه

ورابع بيت أقول الله أكبر

على الغدار لا تنسى أذاه

وخامس بيت جساس غدرني

انظر الجرح يعطيك البناه

وسادس بيت قلت الزير أخي

شديد البأس قهار العداه

وسابع بيت سالم كون راجل

لأخذ الثأر لا تعطي وناه

وثامن بيت بالك لا تخلي

لا شيخ كبير ولا فتاه

وتاسع بيت بالك لا تصالح

وإن صالحت شكوتك للإله

وعاشر بيت إن خالفت قولي

أنا وإياك إلى قاضي القضاة

وما إن انتهى كليب حتى تقدم العبد منه، وذبحه من الوريد إلى الوريد، وحمل رأسه في المنديل، وعاد به إلى سيدته البسوس، التي فرحت واحتضنت الرأس، وجمعت لوازمها وبقية قبيلتها وسافرت ليلا سرا، عائدة إلى مواطنها اليمن.

وفي بعض النصوص الكلاسيكية التقليدية، يقال: إن عمرا - الملقب بجساس أصغر أبناء مرة بن ذهل بن شيبان عم كليب - رفض أن يسقيه حين طالبه كليب محتضرا مجندلا: «يا جساس، أغثني بشربة ماء.»

فأجابه جساس متشفيا: «هيهات، تجاوزت شبيثا والأحص»، ويبدو أنهما سبيلان كانا للماء، والمرجح أنهما كانا إلهين جاهليين طوطميين.

كما تحتفظ هذه النصوص أن مقتل كليب وقع بأرض يقال لها: «الذنائب عن يسار مكة إلى فلجة وفيها قبره» ومعلقاته ووصيته المنقوشة على الحجر.

وعلى هذا فهناك أكثر من نص مدون لهذه السيرة الملحمة، على اعتبار أن نصوصها الشعبية أو الفولكلورية لم تصلنا إلا مدونة، سوى من بعض الشذرات الشفهية الفولكلورية من مأثورات وشعر شعبي.

إلا أن الملاحظ أن الصيغة العربية أو التقليدية الأدبية تحرك مسرح أحداثها إلى مكة وتخومها، بينما تحفظ الصيغ الفولكلورية والطبعات الشعبية مكان الأحداث ومسرحها يجري ما بين الشام دمشق وفلسطين، حيث بئر سبع أو السباع منشأ وموطن بطلها الزير سالم أبو ليلى المهلهل، وحيث العاصمة دمشق.

وفي هذه الحالة طبعا ترجح كفة النصوص الشعبية الفولكلورية عن تلك التي وردت في المؤلفات العربية الكلاسيكية الوسطوية؛ مثل «كشف الظنون» لحاجي خليفة، وكتب الأغاني للأصفهاني

4

والحماسة، وجمهرة أشعار العرب وخزانة الكتب، وهكذا.

فمثلا يخبرنا «كشف الظنون»

5

أنه كان للمهلهل ديوان كامل من الشعر، بالإضافة لمعلقات كليب والجليلة، البسوس.

والملفت أيضا أن النصوص العربية الكلاسيكية لهذه السيرة لا تبدي تعاطفا يذكر نحو كليب والزير، بل هي تصوره في هيئة شيخ القبيلة الطاغية المعتدي أو المغتصب - كما أسماه

6

لويس عوض - للماء والكلأ.

فنسبت له هذه المصادر الأدبية الأسطورية العربية مصادرته لكلا مصدر الحياة في البادية، وهما: الماء والكلأ، فاتخذ جرو كلب، فلا ينزل مكانا به كلأ أو ماء إذا ما أطلق جروه فيعوي فيه، فلا يرعى أحد ذلك الكلأ إلا بإذنه، فضرب به المثل: «أعز من كليب وائل»، بل إن من نفس هذا المدخل، ويمكن القول - التحريض الطبقي - دلفت البسوس المنتقمة المحرضة منه، حين رمى كليب ناقتها بسهمه فأصاب ضرعها، فمضى يشخب دما ولبنا، وكان أن صرخت البسوس في قبائل بني مرة محرضة: «هذا الباغي الذي حمى عليكم الماء والكلأ.»

الزير سالم: أبو ليلى المهلهل · الصفحة ٣٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الزير سالم: أبو ليلى المهلهلص ٣٥