وهنا بدأ جساس من فوره الاستعداد للحرب، فجمع فرسانه وأخبرهم بما جرى من كليب ملكهم، قائلا: «استعدوا لقتال بني تغلب الأنذال.»
وحاول عقلاء قومه إرجاعه، فمن أجل ناقة جربانة نقاتل ابن عمنا الملك كليب، ونقسم وحدة العرب؟
وحين تردد جساس من منطق قومه، قصد العجوز الساحرة ليعطيها ما تطلب ثمنا لناقتها، إلا أنها أجابته: «أريد واحدة من ثلاثة أشياء: إما أن تملأ حجري بالنجوم، أو تضع جلد الناقة على جثتها لتقوم، أو رأس كليب بالدماء يعوم.»
ومرة ثالثة تبرز أهمية عنصر «الناقة المقدسة» بما يوحدها أكثر بناقة ولي الله صالح المقدسة التي أهانها قومه؛ فتسببت بمجيء العقاب أو طوفان - الرعاف - العطش، الذي دمر كلا عرب الشمال والجنوب أو ثمود وعاد. يرى البعض أنها هي بذاتها سلوم وعمورة مدينتا البحر الميت بالأردن وفلسطين التي ذكرت في نصوص البحر الميت الأركيولوجية، وأكدتها نصوص «رأس الشمرا» السورية التي اكتشفت عام 1929م بالقرب من اللاذقية، وفيها وردت الأصول الأولى لتراثنا العربي والسامي؛ من أساطير وملاحم وممالك ترجع إلى القرن الرابع عشر قبل الميلاد، مثل أسماء وممالك الحضارات والقبائل المندثرة، مثل سدوم وعمورة وتيرا أو طيرة
Tyre
والقبائل الحجازية والفلسطينية: عرفات وجرهم ... إلخ.
فحين طالبت العجوز جساس ثمنا لناقتها - الطوطم - المغتالة بأن يضع «جلد الناقة على جثتها لتقوم»، واختار هو بدوره أن يجيئها «برأس كليب في الدماء يعوم.»
| اغتيال كليب ملك العرب
خرج الأمير جساس من عند الشاعرة البسوس قاصدا قصر الملك كليب بدمشق، وأطلقت العجوز - بدورها - عبدا في أثره خفية، إلى أن وصل ودخل قصر الملك وسأل عليه أخته الجليلة، فأخبرته بأنه ركب الآن ليطبع مهرة في «وادي الحصا والجندل»، وواضح أنه واد موحش ومهجور ملائم لواقعة اغتيال ملك مهيب ككليب.
ذلك أن جساس أطلق عنانه إليه قاصدا من فوره وادي الحصا والجندل ذاك متبوعا - دون أن يدري - بعبد البسوس المكلف منها بمراقبته، وبأن يأتيها برأس كليب حتى تشفي لهيبها بنار أخيها التبع حسان، وعلى أقل تقدير: رأس ناقتها!
ذلك أن كليب ما إن رأى جساسا مقدما عليه بكامل عدة حربه حتى تعرفه، لكن جساس راوغه مخبرا بأنه كان في طريقه للصيد، وما إن مر به حتى جاءه مسلما ومعاتبا لقتل رعيانه لناقة نزيلته «العجوز الشاعرة وبعلها الأعمى.»
وأجابه كليب بعدم معرفته للأمر، وعرض عليه عوضا «أربعمائة ناقة، فليس من داع للنزاع والخصام بيننا؛ فإننا أولاد عم وأصهار.»
وواصل جساس خداعه مغيرا الموضوع قائلا: «مرادي أن ألعب معك سباقين بالجريد.»
1
يا جساس أنت راكب ظهر القميرة وأنا راكب مهرا جاهلا.
أسوق أمامك والمهر يسبق الفرس.
وتبعه كليب حتى حكمه تحت يمينه وضربه بالجريدة فأصابت ظهره، فقلبته عن ظهر الفرس القميرة
2
فانحدر الدم من فمه ومناخيره.
وحاول كليب التخفيف عنه طالبا منه أن يضربه وينتهي الحال، إلى أن لحق به عبد العجوز بجساس خلسة، ومضى يشحنه دافعا إياه لاغتيال الملك من ظهره، وساعده العبد في أن يركب مستندا إلى أن باغت كليب «وهز في يده الرمح وطعنه في صدره حتى خرج يلمع من ظهره.»
فسقط كليب يتخبط في دمه، فندم جساس وتقدم إليه وقبله في ... وعارضيه وضمه إلى صدره ووضع رأسه على ركبتيه وقال: «سلامتك يا أبا اليمامة، فقد حلت بي الندامة.»
وطالبه كليب بشربة ماء وقال معاتبا متحسرا:
بيوم الضيق كان يزيل همك
أيا جساس قد أهرقت دمي
أيا غدار تطعنني برمح
ولست أنت في الميدان خصمي
وأشمت الأحاسد والأعادي
وباتت إخوتي تبكي وأمي
على ناقة أتقتل ابن عمك
أمير كريم من لحمك ودمك
بلوم الضيق كان يزيل همك
ويردي الضد في يوم النزال
وما إن فرغ الملك المغتال من شعره الدامي حتى ارتعد جساس وذبلت أطرافه وهو يبعده عنه ليسقيه مرتاعا.